مقدمة: النباتات كمصانع كيميائية معقدة
لطالما اعتبرت المملكة النباتية المصدر الأول والأهم للمركبات الكيميائية الحيوية التي يعتمد عليها البشر في شتى مجالات الحياة. وتُعد «أشباه القلويات» (Alkaloids) من أبرز هذه المركبات؛ فهي مواد كيميائية تنتجها النباتات طبيعياً كدفاعات استراتيجية ضد الحشرات والأمراض. ومنذ أجيال، استخلص البشر هذه المركبات لاستخدامها في تسكين الآلام والعلاجات الطبية، بالإضافة إلى منتجات يومية شائعة مثل الكافيين والنيكوتين.
واليوم، يسعى العلماء لفهم أعمق لكيفية تخليق هذه المركبات حيوياً داخل الأنسجة النباتية، بهدف تطوير أدوية جديدة بسرعة أكبر، وبتكلفة أقل، ومع تقليل الأثر البيئي الناتج عن عمليات التصنيع التقليدية.
اكتشاف مذهل: جينات بكتيرية في خدمة النبات
في دراسة رائدة نُشرت في دورية New Phytologist، ركز باحثون من جامعة يورك البريطانية على نبات يُعرف باسم Flueggea suffruticosa، والذي ينتج شبه قلوي قوي يُدعى «سيكورينين» (Securinine). وأثناء استقصاء مسارات إنتاج هذا المركب، عثر الفريق على تفصيلة علمية غير متوقعة: الجين الرئيسي المسؤول عن تصنيع السيكورينين يشبه إلى حد كبير الجينات الموجودة عادة في البكتيريا، وليس في النباتات.
يشير هذا الاكتشاف إلى أن النباتات قد تبنت استراتيجية تطورية غير مألوفة؛ فبدلاً من الاعتماد الكلي على الكيمياء النباتية التقليدية، يبدو أنها قامت بـ «إعادة تدوير» أدوات جزيئية كانت شائعة لدى الميكروبات لبناء ترسانتها الدفاعية. ووفقاً للباحثين، فإن هذا النهج قد يكون أكثر انتشاراً في المملكة النباتية مما كان يُعتقد سابقاً.
الأهمية العلمية: إعادة تدوير الأدوات البيولوجية
أوضح الدكتور بنجامين ليتشمان، من قسم الأحياء بجامعة يورك، أن التباين الكبير بين النباتات والبكتيريا كأشكال من الحياة جعل من رؤية جين شبيه بالبكتيريا يقود عملية إنتاج كيميائية معقدة داخل نبات أمراً مفاجئاً للغاية. وأضاف: «نعتقد أن هذا يعني أن النباتات تعيد استخدام الأدوات البيولوجية التي تجدها مفيدة، حتى لو كان مصدرها ميكروبياً».
وما يثير الاهتمام بشكل أكبر هو أن هذا الجين يصنع مركبات السيكورينين بطريقة تختلف تماماً عن المسارات الكيميائية المعروفة للمركبات النباتية الأخرى. وبمجرد تحديد هذا المسار الكيميائي الجديد، بدأ الباحثون في اكتشاف جينات مماثلة مختبئة في الحمض النووي (DNA) للعديد من النباتات الأخرى، مما منح العلماء منهجية قوية وجديدة لتحديد المركبات الطبيعية المفيدة وفهم كيفية إنتاجها.
تداعيات مستقبلية: ثورة في صناعة الدواء والاستدامة
تمتد آثار هذا الاكتشاف إلى ما هو أبعد من علم النبات النظري؛ حيث يمكن استخدام هذه الجينات النباتية المكتشفة لتصنيع مواد كيميائية قيمة داخل المختبرات. ومن شأن هذه الخطوة أن تقلل الحاجة إلى حصاد النباتات النادرة أو الاعتماد على عمليات صناعية ملوثة للبيئة.
ونظراً لأن أشباه القلويات قد تكون سامة، فإن فهم عملية إنتاجها يساعد العلماء على تطوير طرق جديدة لإنتاجها في المختبر بتركيزات آمنة، أو حتى تعديل النباتات لتقليل سميتها. يقول الدكتور ليتشمان: «الآن بعد أن عرفنا كيفية البحث عن هذه الآلية الإنتاجية، أصبح لدينا مسارات جديدة لاستكشاف وإنتاج أدوية آمنة وفعالة».
خاتمة: دروس من الطبيعة
بالإضافة إلى الفوائد الطبية، قد تساهم هذه النتائج في تعزيز فهمنا لكيفية نمو النباتات وبقائها على قيد الحياة، مما يدعم تطوير محاصيل زراعية أكثر مرونة وقوة في مواجهة التحديات البيئية. إن هذا الاكتشاف يؤكد مجدداً أن الطبيعة لا تزال تخفي الكثير من الأسرار، وأن البحث العلمي الأساسي في علوم النبات يمكن أن يؤدي إلى قفزات كبرى في الطب، والزراعة، والاستدامة البيئية.
المصدر العلمي: ScienceDaily


اترك تعليقاً