مقدمة: لغز تآكل الذاكرة في الدماغ المصاب
يُعرف داء ألزهايمر بتأثيره المدمر الذي لا يرحم؛ فهو لا يكتفي بإتلاف الخلايا الدماغية فحسب، بل يعمل على تقويض الروابط الحيوية بينها، مما يؤدي إلى انهيار الشبكات العصبية المسؤولة عن تخزين واسترجاع الذكريات. ورغم عقود من البحث، ظل السؤال الجوهري قائماً: كيف يبدأ هذا التدمير المنهجي؟ لسنوات طويلة، ركزت النظرية السائدة على تراكم بروتين “أميلويد بيتا” (amyloid beta) كمتهم رئيسي، بينما ربطت أبحاث أخرى المرض ببروتينات “تاو”، واضطرابات الأجسام التحليلية (lysosomes)، والالتهابات المزمنة. اليوم، تقدم دراسة حديثة نُشرت في دورية PNAS حلقة وصل مفقودة تجمع بين هذه المسارات المتباعدة، كاشفة عن آليات جزيئية قد تغير فهمنا الجذري للمرض.
الاكتشاف: مسار جزيئي موحد للالتهاب والأميلويد
نجح فريق بحثي من معهد “وو تساي” لعلوم الأعصاب بجامعة ستانفورد، بقيادة البروفيسورة كارلا شاتز، في تحديد آلية تربط بين اثنين من أبرز النظريات حول تطور ألزهايمر. توصل الباحثون إلى أن بروتين “أميلويد بيتا” والالتهابات الدماغية يلتقيان عند مسار جزيئي واحد يستهدف مستقبلاً بروتينياً محدداً يُدعى LilrB2. هذا المستقبل يعمل بمثابة جهاز استقبال يرسل إشارات للخلايا العصبية تحثها على إزالة المشابك العصبية (Synapses) — وهي نقاط الاتصال التي تسمح بالتواصل بين خلايا الدماغ.
بنيت هذه الدراسة على أبحاث سابقة بدأت في عام 2006، حين اكتشفت شاتز أن هذا المستقبل يلعب دوراً محورياً في عملية “التشذيب المشبكي” الطبيعية أثناء نمو الدماغ. وفي عام 2013، أثبت الفريق أن بروتين “أميلويد بيتا” يرتبط بمستقبل LilrB2، مما يحفز الخلايا العصبية على إزالة المشابك بشكل مفرط. وفي الإنجاز الأخير، اختبر الفريق جزيئات “شلال المتممة” (complement cascade) — وهي جزء من النظام المناعي المسؤول عن الالتهابات — ووجدوا أن شظية بروتينية تسمى C4d ترتبط بقوة بمستقبل LilrB2، مما يؤدي مباشرة إلى فقدان الروابط العصبية.
الأهمية العلمية: الخلايا العصبية ليست مجرد ضحية
تكمن الأهمية القصوى لهذا البحث في إعادة صياغة دور الخلية العصبية في مسار المرض. لفترة طويلة، ساد الاعتقاد بأن “الخلايا الدبقية” (Glial cells)، وهي الخلايا المناعية في الدماغ، هي المسؤول الوحيد عن التهام المشابك العصبية في حالات المرض. لكن هذه الدراسة تثبت أن الخلايا العصبية نفسها مشارك نشط في العملية؛ فهي تمتلك المستقبلات التي تستجيب لإشارات الدمار.
تقول البروفيسورة شاتز: “الخلايا العصبية ليست مجرد متفرج بريء، بل هي مشارك فاعل”. هذا يعني أن الالتهاب لا يهاجم الدماغ بشكل عشوائي، بل يستخدم نفس المسار الجزيئي الذي يستخدمه الأميلويد لخداع الدماغ ودفع الخلايا العصبية لمحو ذكرياتها الخاصة تحت مسمى “التشذيب” غير الضروري.
الآثار المستقبلية: نحو استراتيجيات علاجية أكثر دقة
تفتح هذه النتائج آفاقاً جديدة لعلاج ألزهايمر، خاصة في ظل المحدودية التي أظهرتها الأدوية الحالية المعتمدة من إدارة الغذاء والدواء الأمريكية (FDA)، والتي تركز بشكل حصري على تفتيت لويحات الأميلويد. تشير شاتز إلى أن استهداف اللويحات قد لا يكون كافياً، بل وقد يصاحبه آثار جانبية خطيرة مثل نزيف الدماغ، لأنك تعالج جزءاً واحداً فقط من المشكلة.
التوجه المستقبلي قد يكمن في تطوير عقاقير تستهدف مستقبلات LilrB2 مباشرة أو تمنع ارتباط الجزيئات الالتهابية بها. من خلال حماية المشابك العصبية ومنع إشارات “التدمير ذاتي”، قد نتمكن من الحفاظ على سلامة الشبكات العصبية حتى في وجود البروتينات الضارة، مما يمهد الطريق لابتكار علاجات تحافظ على جوهر الكينونة البشرية: الذاكرة.
المصدر العلمي: ScienceDaily


اترك تعليقاً