أحمد بوكماخ، اسم تردد صداه في أروقة المدارس المغربية لعقود، ليس مجرد مؤلف كتب مدرسية، بل هو معلم وأديب ساهم بفكره وجهده في بناء صرح التعليم في المغرب ما بعد الاستقلال. دعونا نتعرف على قصة هذا الرائد الذي ترك بصمة لا تُمحى في ذاكرة أجيال.
من هو أحمد بوكماخ؟
أحمد بوكماخ (1920-1993)، معلم وكاتب مغربي ولد في طنجة وتوفي في باريس. يعتبر من أبرز الشخصيات التي ساهمت في التأسيس التربوي والبيداغوجي للمدرسة المغربية الحديثة بعد الاستقلال. لم يكن مجرد مؤلف، بل كان فاعلاً في الحركة الوطنية، ومسرحياً قبل أن يتجه نحو التأليف المدرسي الذي اشتهر به.
مسيرة حافلة بالعطاء
- النضال الوطني: انخرط بوكماخ مبكراً في صفوف الحركة الوطنية ضد الاستعمار الفرنسي.
- التأليف المسرحي: بدأ مسيرته ككاتب مسرحي قبل أن يتجه نحو التأليف المدرسي.
- التأليف المدرسي: اشتهر بتأليف الكتب المدرسية، وخاصة سلسلة "اقرأ" التي رافقت أجيالاً من التلاميذ المغاربة.
- تطوير المناهج: عمل على تطوير مشروعه التربوي من خلال إنتاج مؤلفات أخرى موازية اعتمدت رسمياً في التعليم الابتدائي.
"اقرأ": سلسلة غيرت وجه التعليم في المغرب
تعتبر سلسلة "اقرأ" من أبرز أعمال بوكماخ وأشهرها. تتكون من خمسة أجزاء، ورافقت أجيالاً من التلاميذ المغاربة، وغرست فيهم حب القراءة والتحصيل العلمي.
- مغربة المناهج: ساهمت سلسلة "اقرأ" في مغربة المناهج التعليمية، والانتقال من المقررات الاستعمارية إلى مقررات وطنية.
- أسلوب بسيط وفعال: تميز أسلوب بوكماخ بالبساطة والفعالية، وكان من الأوائل الذين أدخلوا الصور والرسوم التوضيحية إلى الكتب المدرسية.
- رمزية تربوية: ظلت أعماله حاضرة في المكتبات الخاصة للمغاربة، لما تحمله من رمزية تربوية وقيمة تاريخية.
رائد التجديد التربوي
في فترة كانت فيها المدرسة المغربية تعاني من نقص في التأليف المدرسي، برز بوكماخ بمجهوده التربوي في التأسيس لمدرسة مغربية جديدة.
- تحديث أساليب التعليم: ساهم في تحديث أساليب التعليم وجعلها أكثر جاذبية للمتعلمين.
- المعلم الأول: لُقّب بـ"المربّي أو المعلم الأول" لأجيال عديدة من التلاميذ والمعلمين.
قصة حياة ملهمة
- النشأة: ولد في طنجة لعائلة تنحدر من تارودانت، ونشأ في أسرة تقدّر العلم وتحترمه.
- التعليم: بدأ دراسته في المدرسة القرآنية، ثم التحق بالمدرسة الإسلامية الحرة في طنجة.
- النضال السياسي: انخرط في صفوف حزب "الشورى والاستقلال"، وكان لمتجر العائلة دور في النضال الوطني.
- الحياة العائلية: تزوج ورُزق بثلاث بنات، وعاش في منزل أطلق عليه اسم "الحمراء".
إرث باقٍ
- مركز أحمد بوكماخ الثقافي: بعد وفاته، تبرعت بناته بمقتنياته لمركز "أحمد بوكماخ الثقافي" في طنجة.
- جائزة أحمد بوكماخ للتلاميذ: أطلق الصالون الأدبي المغربي "جائزة أحمد بوكماخ للتلاميذ" لتشجيع الإبداع والقراءة.
- الوفاة والمدفن: توفي في باريس ودفن في مقبرة المجاهدين في طنجة.
من المدرسة القرآنية إلى التأليف المدرسي: رحلة بوكماخ التعليمية
بدأ بوكماخ مسيرته التعليمية في المدرسة القرآنية، ثم التحق بالمدرسة الإسلامية الحرة. هذه المرحلة شكلت وعيه بأهمية التعليم ودوره في بناء المجتمع.
- التأثر بالنقاشات الثقافية: احتك مبكراً بالنقاشات الثقافية والسياسية التي كانت تدور بين رموز النضال المغربي.
- التأثر بالأحداث التاريخية: تأثر بأحداث مثل "الظهير البربري" و"نفي الملك محمد الخامس".
- العمل كمدرس: بدأ مسيرته المهنية عام 1947 مدرساً للغة العربية في المدرسة الإسلامية الحرة.
من المسرح إلى الكتاب المدرسي: تحول ملهم
تجربته في المسرح ساعدته على اكتشاف قدرته على التأليف المدرسي.
- المسرح التربوي: بدأ بكتابة المسرحيات التربوية التي عُرضت على مسرح "سيرفانتيس" في طنجة.
- تأليف كتيب مدرسي: بدعم من أستاذه عبد الله كنون، بادر بتأليف كتيب بسيط لتلاميذه.
- سلسلة "اقرأ": من هذا الكتيب وُلدت سلسلة "اقرأ" التي استمدت اسمها من الأمر القرآني بالقراءة.
"اقرأ": قصة نجاح
- بداية السلسلة: بدأ العمل على أول جزء من سلسلة "اقرأ" عام 1954.
- الدعم الرسمي: تلقت السلسلة دعماً رسمياً مبكراً من وزير التعليم آنذاك، محمد بن عبد الواحد الفاسي.
- مكونات السلسلة: ضمت مواد التلاوة والخط والمحفوظات، وتوجيهات بيداغوجية للمعلمين.
- نصوص خالدة: تميزت بنصوص تربوية وترفيهية بليغة وبسيطة، مثل "أحمد والعفريت" و"سروال علي".
- الرسوم التوضيحية: استخدمت الرسوم التوضيحية على نطاق واسع، في سابقة تربوية آنذاك.
فريق العمل وراء "اقرأ"
لم يكن مشروع "اقرأ" ثمرة جهد فردي، بل تأسس على تعاون جماعي.
- أحمد بن الحسين البهاوي: خطاط القصر الذي تولى كتابة نصوص السلسلة بخط النسخ.
- أحمد الحرشني: الشاعر الذي أهدى بوكماخ نصوصاً إنجليزية وفرنسية مترجمة.
- محمد شبعة: الفنان التشكيلي الذي تولى إنجاز الرسوم التوضيحية.
- أحمد الشنتوف: فنان الكاريكاتير الذي شارك في رسم القصص المصورة.
- دار نشر الفكر: المساهم الرئيسي في طباعة وتوزيع السلسلة.
- عبد السلام جسوس: المقاول في مجال الطباعة والنشر الذي دعم المشروع.
إرث مستمر
نجحت سلسلة "اقرأ" في تحقيق معادلة صعبة تجمع بين تبسيط المعرفة وغرس حب التعلم، مما جعلها واحدة من أقوى أدوات التربية والتعليم في تاريخ المغرب الحديث. امتد إشعاع كتب بوكماخ إلى دول أخرى في أفريقيا، وسدّت فراغاً في مجال التأليف المدرسي.
أحمد بوكماخ، معلم وأديب، سيبقى اسمه محفوراً في ذاكرة الأجيال، شاهداً على إيمانه بأن بناء الوطن يبدأ من بناء عقول الناشئة.


اترك تعليقاً