# أدب الدعاء مع الله: وقفة مع النفس بين طلب الحاجات ونسيان الجنايات
إن الوقوف بين يدي ملك الملوك سبحانه وتعالى ليس مجرد كلمات تُلقى، ولا أماني تُرجى فحسب، بل هو مقام رفيع يتطلب أدباً خاصاً، وقلباً حاضراً، ونفساً منكسرة. وفي رحاب كتاب “صيد الخاطر”، يضعنا الإمام العالم ابن الجوزي -رحمه الله- أمام مرآة الحقيقة، ليكشف لنا خللاً دقيقاً يقع فيه الكثيرون منا عند طرق باب السماء، وهو الغفلة عن حال النفس مع الله أثناء السؤال.
التناقض العجيب: لسان يسأل وقلب يغفل
يستهل الإمام ابن الجوزي مقالته بكلمات تلمس شغاف القلب، حيث يقول: “رأيت من نفسي عجباً: تسأل الله عز وجل حاجاتها، وتنسي جناياتها”. إن هذا التوصيف الدقيق يمثل حال الكثير من المسلمين اليوم؛ فنحن عند الكرب نسرع بالدعاء، وعند الحاجة نلح في المسألة، ولكننا في غمرة هذا الإلحاح ننسى سجل الذنوب الذي يحول بيننا وبين الإجابة.
إن النفس البشرية بطبعها طامعة في فضل الله، وهذا أمر محمود، لكن المذموم هو الجرأة التي تجعل العبد يطلب الأغراض الدنيوية وهو مثقل بأوزار لم يتب منها بعد. فكيف يرجو العبد نوال العطايا وهو لا يزال مقيماً على الخطايا؟ إن الأدب مع الله يقتضي أن يكون العبد مستحيياً من ذنبه وهو يسأل ربه، بل إن الإمام يرى أن الأولى بالعبد المذنب أن يكون سؤاله منحصراً في طلب العفو والمغفرة أولاً، حيث يقول: “فقلت: يا نفس السوء أو مثلك ينطق؟ فإن نطق فينبغي أن يكون السؤال العفو فحسب”.
التوبة: الشرط المسبق لنيل المرادات
عندما تشتكي النفس وتسأل: “فممن أطلب مراداتي؟”، يأتي الجواب الحاسم من الإمام ابن الجوزي ليضع النقاط على الحروف. هو لا يمنع العبد من سؤال ربه، فالله هو المعطي والرزاق، ولكن يضع شرطاً أخلاقياً وشرعياً قبل النطق بالسؤال: “ما أمنعك من طلب المراد. إنما أقول حققي التوبة، وانطقي”.
ويضرب الإمام مثلاً فقهياً رائعاً يوضح هذه المسألة، فيشبه العبد العاصي الذي يطلب حوائجه بالمسافر سفراً محرماً (عاصٍ بسفره) إذا اضطر إلى أكل الميتة للبقاء على قيد الحياة. ففي الفقه، لا يجوز له الأكل من الميتة وهو مقيم على معصية السفر، فهل نتركه يموت؟ الجواب: لا، بل يتوب من معصية السفر ثم يأكل.
وهكذا العبد في دعائه؛ لا نقول له لا تدعُ، بل نقول له: تب أولاً ليكون لدعائك وزن وقبول. إن الجرأة على طلب الأغراض مع نسيان الذنوب توجب “تنكيس الرأس” خجلاً وحياءً، ولو انشغل العبد بإصلاح ما مضى من تقصير والندم الصادق عليه، لفتحت له أبواب الرزق من حيث لا يحتسب، كما جاء في الأثر: “من شغله ذكري عن مسألتي أعطيته أفضل ما أعطي السائلين”.
مقامات العارفين في السؤال: بشر الحافي نموذجاً
ينقلنا ابن الجوزي إلى مشهد مهيب من مشاهد العارفين بالله، وهو مشهد الزاهد بشر الحافي -رحمه الله-. فقد كان بشر من شدة معرفته بالله وحيائه منه، يبسط يديه للسؤال ثم لا يلبث أن يسدلهما قائلاً: “مثلي لا يسأل وما أبقت الذنوب لي وجهاً”.
هذا المقام ليس مقام يأس من رحمة الله، بل هو مقام “قوة المعرفة”. فبشر كان يشعر في وقت الدعاء وكأنه يخاطب الله “كفاحاً” (أي مواجهة بلا واسطة)، فاستحيا أن يطلب وهو يعلم تقصيره في جنب الله. وهذا المقام يختص بالخواص من أهل المعرفة الذين استنارت بصائرهم، فرأوا عظمة الله وجلاله أمام ضآلة أنفسهم وعظم زلاتهم.
أما نحن، أهل الغفلة، فسؤالنا يأتي من بعد، ومن وراء حجاب الغفلة، ولذلك لا نشعر بهذا الحياء الذي شعر به بشر. لذا يوصينا الإمام بفهم هذا الفرق، والاشتغال أولاً بالتوبة من الزلل قبل الاندفاع في طلب الفضول.
ماذا نطلب؟ مراجعة لأولويات الدعاء
من أعجب ما يلفت إليه ابن الجوزي في هذا السياق هو نوعية المطالب التي نرفعها إلى الله. فنحن في الغالب لا نسأل الأمور المهمة التي تنفعنا في ديننا، بل نغرق في سؤال “فضول العيش” وزينة الحياة الدنيا.
يقول الإمام موبخاً النفس: “ثم العجب من سؤالاتك فإنك لا تكاد تسأل مهما من الدنيا، بل فضول العيش. ولا تسأل صلاح القلب والدين مثل ما تسأل صلاح الدنيا”.
إن هذا الخلل في الأولويات يعكس خللاً في الإيمان؛ فصلاح القلب هو النعيم الحقيقي، وثبات الدين هو النجاة الكبرى، ومع ذلك نجد ألسنتنا تلهج بطلب زيادة المال، وتوسعة الدور، وتحصيل المناصب، ونغفل عن سؤال الله أن يطهر قلوبنا من النفاق، أو يرزقنا الإخلاص والخشية. إن الانبساط في طلب الدنيا مع الغفلة عن صلاح الآخرة هو وقوف على “شفا جرف” هارٍ قد يودي بصاحبه.
الخوف المحمود: هدي الحسن البصري
يختم الإمام ابن الجوزي مقالته بذكر حال التابعي الجليل الحسن البصري، الذي كان يضرب به المثل في شدة الخوف من الله. فعندما سُئل عن سر هذا الخوف الشديد، أجاب بكلمات تهز الوجدان: “وما يؤمنني أن يكون اطلع على بعض ذنوبي فقال اذهب لا غفرت لك”.
هذا الخوف هو الذي يحمي العبد من الغرور، وهو الذي يدفعه دوماً لتجديد التوبة. إن المؤمن الحق هو من يجعل حزنه على زلاته وانشغاله بإصلاح عيوبه مقدماً على انشغاله بمراداته وأهدافه الدنيوية. ليس معنى ذلك ترك العمل أو ترك الدعاء بالخير، ولكن المعنى هو ترتيب القلب بحيث يكون رضا الله وإصلاح العلاقة معه هو الهم الأول والغاية الكبرى.
خلاصة القول في أدب الدعاء
بناءً على ما أفاض به الإمام ابن الجوزي، يمكننا تلخيص منهج الدعاء المستجاب في النقاط التالية:
1. تقديم التوبة: ابدأ دعاءك بالاعتراف بالذنب والندم عليه، فالتوبة هي مفتاح القبول.
2. الحياء من الله: استشعر عظمة من تخاطب، واجعل حياءك من تقصيرك يسبق طمعك في نوالك.
3. تصحيح الأولويات: اجعل صلاح قلبك ودينك في مقدمة دعواتك، فإذا صلح القلب صلح لك كل شيء.
4. الاشتغال بالذكر: اجعل لسانك رطباً بذكر الله وتعظيمه، فإن من اشتغل بالله كفاه الله ما أهمه.
5. الحذر من الغفلة: لا تكن من الذين يسألون الله بقلوب لاهية، بل كن يقظاً، خائفاً من الرد، طامعاً في القبول.
إن دعاءنا اليوم يحتاج إلى هذه الروح التي سكبها ابن الجوزي في كلماته؛ روح تجمع بين الانكسار والرجاء، وبين التوبة والسؤال. فاعقل أمرك أيها الداعي، وليكن حزنك على ما فرطت في جنب الله شاغلاً لك، فربما كانت تلك الدمعة الندمانة هي التي تفتح لك أبواب السماء وتأتيك بكل ما كنت ترجو من مرادات الدنيا والآخرة.

اترك تعليقاً