مأساة إنسانية خلف جدران المخيمات
من بقايا دقيق قديم أكل عليه الدهر وشرب، تحاول حليمة عبد الله بصعوبة تجهيز وجبة متواضعة لأطفالها الخمسة في أحد مخيمات النزوح بمدينة الأُبيّض. في ولاية شمال كردفان، يلتف الأطفال المنهكون حول والدتهم، يراقبون بصمت انتظاراً للقمة قد تكون الوحيدة التي تسد رمقهم طوال اليوم، في مشهد يختصر واقع سوء التغذية في السودان الذي بات يهدد جيلاً كاملاً.
حليمة، البالغة من العمر 41 عاماً، تعكس في حديثها لبي بي سي مرارة العجز؛ فهي لم تتلقَّ أي مساعدات غذائية منذ وصولها إلى المخيم قبل أربعة أشهر. تقول بأسى: ‘والله ما أعطونا أي شيء. نحن في انتظار خيمة ومواد غذائية، وزوجي خرج يصارع الظروف بحثاً عن عمل أو طعام’. هذا الانتظار الطويل أدى لنتاج طبيعي ومؤلم: إصابة أطفالها وأطفال المخيم بأمراض ناتجة مباشرة عن سوء التغذية الحاد نتيجة غياب المقومات الأساسية للحياة.
المستشفيات الميدانية: شهود على الهزال وتفاقم الأزمة
داخل المستشفى الميداني المقام في قلب المخيم، لا تحتاج لتشخيص طبي دقيق لتعرف حجم الكارثة؛ فعلامات الهزال الشديد تبدو واضحة على وجوه الأطفال وأمهاتهم على حد سواء. يؤكد الدكتور سامي فضيل، أحد الأطباء الميدانيين، أن حالات الإصابة بمرض سوء التغذية في السودان تشهد تزايداً ملحوظاً ومقلقاً، مشيراً إلى أن العديد من هذه الحالات باتت تتضاعف نتيجة اقترانها بأمراض أخرى ناتجة عن ضعف المناعة والبيئة المتردية.
ويعد هذا المخيم، الذي يضم أكثر من 26 ألف أسرة نازحة، نموذجاً مصغراً للأوضاع الكارثية في عموم البلاد. فالنزاع المسلح المستمر بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع حوّل السودان إلى ساحة لأكبر أزمة نزوح وجوع في العالم حالياً، حيث تدفع الفئات الأكثر هشاشة -الأطفال والنساء- الثمن الأكبر لهذا الصراع.
أرقام مفزعة: 4.2 مليون شخص في دائرة الخطر المباشر
في أحدث تقاريرها، كشفت مجموعة التغذية الدولية -التي تضم ‘يونيسف’ ومنظمات دولية ومحلية- عن إحصائيات صادمة توضح حجم الكارثة الوطنية. التقرير يشير إلى أن نحو 4.2 ملايين طفل وامرأة حامل يواجهون خطر سوء التغذية في السودان، بزيادة بلغت 12% مقارنة بالعام الماضي، مع توقعات بمزيد من التدهور خلال الأشهر القادمة.
وما يثير القلق بشكل أكبر هو أن 31 مسحاً من أصل 61 مسحاً ميدانياً أظهرت انتشار سوء التغذية بنسبة تفوق 15%، وهي النسبة التي تضعها منظمة الصحة العالمية كعتبة لحالة الطوارئ القصوى. تهدف خطة الاستجابة الدولية للوصول إلى 6.4 ملايين شخص من إجمالي 8.4 ملايين طفل وامرأة يحتاجون لتدخلات عاجلة، لكن الفجوة بين الاحتياجات والقدرات الميدانية لا تزال تتسع بشكل مخيف.
نقص التمويل: رصاصة الرحمة على الأمن الغذائي المنهك
بينما تشتد الأزمة، تلوح في الأفق كارثة أخرى تتمثل في تقليص الدعم الدولي. أعلن برنامج الأغذية العالمي عن خطة اضطرارية لخفض حصص الغذاء بنسبة تصل إلى 70% في المناطق التي تواجه خطر المجاعة، وبنسبة 50% في المناطق الأخرى، وذلك بدءاً من شهر يناير الجاري بسبب نقص التمويل الحاد.
وصرح روس سميث، مدير قسم الاستجابة للطوارئ في البرنامج، بأن الوضع سيصل إلى ‘مرحلة حرجة للغاية’ بحلول شهر أبريل المقبل إذا لم يتم تأمين التمويل اللازم. هذا التقليص يهدد بقطع شريان الحياة عن ملايين السودانيين في مناطق ملتهبة مثل دارفور وجنوب كردفان، حيث يعتمد السكان بشكل شبه كامل على هذه المساعدات للبقاء على قيد الحياة.
خاتمة: أسوأ كارثة إنسانية في العصر الحديث
تصف الأمم المتحدة الوضع الراهن في السودان بأنه ‘أسوأ كارثة إنسانية في العالم’ في الوقت الحالي. ومع استمرار القتال وغياب الحلول السياسية، يبدو أن شبح سوء التغذية في السودان سيظل يطارد الملايين، محولاً مستقبل البلاد إلى رهينة للصراع المسلح، وفجوات التمويل الدولي، وغياب الضمير الإنساني تجاه معاناة المدنيين العزل.
المصدر: BBC Arabic


اترك تعليقاً