أسرار وفضل السحور: 10 نيات تجعل من أكلتك عبادة وبركة

# فضل السحور: انشراح الصدور باحتساب عشر نيات لأكلة السحور

إن من أجلِّ نعم الله سبحانه وتعالى على عباده المؤمنين، أن جعل لهم مواسم للطاعات تتضاعف فيها الحسنات، وتُغفر فيها السيئات، وجعل الصيام فرصة كبرى للأوبة والتوبة، ومحطة للتزود من التقوى. وفي زحام هذا الشهر الكريم، يغفل الكثيرون عن كنز عظيم وسنة مهجورة في مقاصدها، ألا وهي سنة “السحور”.

إن الصائم يحتسب جوعه وعطشه لله، ولكن رحمة الله اقتضت ألا يكلف نفساً إلا وسعها، فسنَّ لنا نبينا محمد ﷺ تلك الأكلة المباركة في وقت السحر، لتكون عوناً لنا على طاعته. ولما كانت الأعمال بالنيات، فإن تحويل هذه الأكلة من مجرد عادة بيولوجية إلى عبادة روحية يتطلب استحضار نيات صالحة، وهو ما سنفصله في هذه التذكرة التي أسميتها: (انشراح الصدور باحتساب عشر نيات في السَّحور).

أولاً: نية امتثال السنة النبوية ونيل البركة

لقد حث النبي ﷺ على هذه السنة العظيمة بلفظ الأمر الذي يفيد الاستحباب والندب المؤكد، فقال في الحديث المتفق عليه عن أنس بن مالك رضي الله عنه: «تسحَّروا؛ فإن في السحور بركة».

وهنا يستحضر المؤمن نيتين عظيمتين:
1. نية طاعة الرسول ﷺ: فالمؤمن المحب يتبع أثر نبيه في كل صغير وكبير، وامتثال أمر “تسحروا” هو استجابة لنداء المحبة والاتباع.
2. نية طلب البركة: في زمنٍ يشكو فيه الناس من قلة البركة في الأرزاق والأوقات، يأتي السحور كحلٍ نبوي. والبركة هنا ليست مجرد شبع، بل هي بركة في القوت حيث يكفي القليلُ الكثيرَ، وبركة في البدن حيث يتقوى الصائم على مشاق النهار، وبركة في الوقت ليكون عامراً بالذكر.

إن بركة السحور تشمل إعانة الصائم على الطاعات في نهاره، من صلاة وذكر وقراءة قرآن، بل وحتى القيام بالعمل الوظيفي والواجبات الأسرية بنشاط وحيوية. فكم من صائم ترك السحور فأصبح فاتر الهمة، ضيق الصدر، قليل الإنتاج، ففاتته بركة اليوم بترك بركة السحر.

ثانياً: نية السير على خطى الأنبياء عليهم السلام

السحور ليس مجرد خصوصية لمحمد ﷺ فحسب، بل هو امتداد لمنهج الأنبياء في رعاية الأبدان لتقويتها على عبادة الديان. فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إنا معشر الأنبياء أمرنا أن نعجل إفطارنا ونؤخر سحورنا».

وهنا يستحضر المسلم نيتين إضافيتين:
3. نية الاقتداء بموكب المرسلين: حين تتسحر، فأنت تضع قدمك على طريق الأنبياء الذين كانوا أحرص الناس على استجماع قواهم لعبادة الله.
4. نية تأخير السحور طلباً للقوة: فالسنة هي تأخير السحور إلى قبيل الفجر، والحكمة من ذلك بقاء الطعام في المعدة أطول فترة ممكنة، مما يمنح الصائم طاقة مستمرة خلال النهار. هذا التأخير ليس مجرد تنظيم زمني، بل هو حكمة نبوية لتقليل مشقة الصيام وتعظيم الإنتاجية.

ثالثاً: نية مخالفة أهل الكتاب وإظهار تميز الأمة

من مقاصد الشريعة الإسلامية التميز في العبادات والمظهر والمخبر، وقد جعل النبي ﷺ السحور علامة فارقة بين صيامنا وصيام من قبلنا. فعن عمرو بن العاص رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «فَصْل ما بين صيامنا وصيام أهل الكتاب، أكلة السحر».

ويستحضر الصائم هنا:
5. نية مخالفة غير المسلمين: فأهل الكتاب كانوا يصومون من نصف الليل أو ينامون بعد العشاء ولا يأكلون شيئاً، فجاء الإسلام بوسطيته ليريح النفس والبدن.
6. نية الاعتزاز بالهوية الإسلامية: إن المسلم وهو يتناول سحوره يستشعر كمال دينه الذي لم يترك تفصيلاً إلا وبينه، مما يملأ قلبه فخراً وانتماءً لهذه الأمة الخاتمة.

رابعاً: نية قبول الهدية والاختصاص الإلهي

السحور منحة إلهية خاصة لهذه الأمة، فعن رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم قال: دخلت على النبي صلى الله عليه وسلم وهو يتسحر، فقال: «إنها بركة أعطاكم الله إياها، فلا تَدَعُوه».

ويستحضر المؤمن هنا:
7. نية قبول عطاء الله: فالله عز وجل يحب أن تُؤتى رخصه كما يحب أن تُؤتى عزائمه، والسحور رخصة وعطاء، ورد العطاء جفاء، فالمؤمن يتسحر شكراً لله على فضله.
8. نية شكر الله على الخصوصية: لقد قال القاضي عياض: “هو مما اختصت به هذه الأمة في صومها”. فاستشعارك بأنك تنعم بميزة لم تكن للأمم السابقة يحرك في قلبك لواعج الشكر والامتنان لله الكريم.

خامساً: نية التعرض لنفحات الاستغفار في وقت الإجابة

وقت السحر هو وقت التجلي الإلهي، وقت ينزل فيه الرب تبارك وتعالى إلى السماء الدنيا نزولاً يليق بجلاله، فيقول: “هل من مستغفر فأغفر له؟”. والسحور هو الوسيلة التي توقظك في هذا الوقت المبارك.

وهنا تكتمل العشر نيات:
9. نية كتابة الاسم في زمرة المستغفرين: قال تعالى في وصف المتقين: {وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ}. فبينما أنت تتناول طعامك، يلهج لسانك بالاستغفار، فتجمع بين غذاء البدن وغذاء الروح، وتُكتب عند الله من المتقين.
10. نية تحري ساعة الإجابة: إن قيامك للسحور يجعلك في حالة يقظة في وقتٍ يُستجاب فيه الدعاء، فبين لقمة وأخرى، ترفع يدك للسماء داعياً بخيري الدنيا والآخرة.

تأملات في أدب السحور

يا باغي الخير، إن وقت السحر هو أنفاس المستغفرين، ودموع التائبين، فلا تجعل سحورك مجرد ملء للمعدة، بل اجعله خلوة مع الله. إن انشراح صدرك في نهار الصيام يبدأ من إخلاص نيتك في سحورك. فإذا تسحرت، فاستحضر أنك تتقوى على طاعة الله، وأنك تتبع نبيك ﷺ، وأنك تنال بركةً وعدك بها الصادق المصدوق.

ولا يفوتنا التذكير بأن السحور يتحقق ولو بجرعة ماء، لقوله ﷺ: “تسحروا ولو بجرعة من ماء”. فلا تحرم نفسك هذا الفضل العظيم بحجة عدم الرغبة في الأكل. واحرص على ذكر “سيد الاستغفار” في هذا الوقت: «اللهم أنت ربي، لا إله إلا أنت، خلقتني وأنا عبدك، وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت، أعوذ بك من شر ما صنعت، أبوء لك بنعمتك علي، وأبوء بذنبي فاغفر لي فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت».

ختاماً، نسأل الله أن يملأ قلوبنا وأعمالنا وأعمارنا وبيوتنا بركة ورضا وقناعة، وأن يجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأن يتقبل منا ومنكم الصيام والقيام وصالح الأعمال.

المصدر: طريق الإسلام

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *