أنتولوجيا العِوَضِ المَجيد: جعفر بن أبي طالب وفلسفة اليقين في غزوة مؤتة

مدخل إلى فلسفة العوض ومقام اليقين

إنَّ دراسة السيرة النبوية الشريفة لا تقف عند حدود السرد التاريخي للوقائع، بل تمتد لتشمل استنطاق القيم الروحية والوجودية التي صاغت شخصية الجيل الفريد من الصحابة. ومن أعمق هذه المفاهيم ما يمكن أن نسميه “أنتولوجيا العوض المجيد”؛ وهي دراسة ماهية الوجود حين يرتبط بالوعد الإلهي، وكيف يتحول العدم الدنيوي (الفقد) إلى وجود أخروي (عوض). يتجلى هذا المفهوم بأبهى صوره في شخصية الصحابي الجليل جعفر بن أبي طالب -رضي الله عنه-، وتحديداً في موقف الاستبسال الأسطوري في غزوة مؤتة.

الأنطولوجيا هنا تعني البحث في جوهر الصدق الذي جعل من جسد جعفر جسراً يعبر عليه الإيمان من حيز القول إلى حيز الفعل المطلق. إن اليقين الذي ملأ قلب جعفر لم يكن مجرد تصديق ذهني، بل كان حالة وجودية جعلته يرى “العوض” قبل أن يقع “الفقد”. قال تعالى: (مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ ۖ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَىٰ نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ ۖ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا) [الأحزاب: 23].

مشهد مؤتة: حين يغدو الموت جسراً للحياة

في العام الثامن للهجرة، انطلقت جيوش المسلمين نحو الشام في مواجهة غير متكافئة عددياً مع الروم وحلفائهم. كانت مؤتة اختباراً حقيقياً لمعدن اليقين. حمل الراية زيد بن حارثة فاستشهد، ثم استلمها جعفر بن أبي طالب. هنا نجد أنفسنا أمام لحظة فارقة في تاريخ “بلاغة الاستبسال”. لم يكن جعفر يدافع عن قطعة قماش (الراية)، بل كان يذود عن “المعنى” الذي تمثله هذه الراية؛ وهو كرامة الأمة واستمرارية الرسالة.

إن تقدم جعفر نحو الموت لم يكن انتحاراً، بل كان “استبسالاً روحياً” نابعاً من إدراك عميق لمفهوم الاستخلاف. لقد أدرك أن الجسد الفاني هو وعاء للروح الباقية، وأن الحفاظ على الروح وكرامة الدين يستوجب أحياناً بذل هذا الوعاء. وفي هذا المقام، يتجلى قوله صلى الله عليه وسلم: “عجب ربنا من قوم يُسادون إلى الجنة في السلاسل”، وفي رواية أخرى إشارة إلى حب الله للذين يقاتلون في سبيله لا يلتفتون، وهو ما جسده جعفر بتمامه.

بلاغة الاستبسال: ما وراء فقدان اليدين

يُروى في السير أن جعفراً لما أُحيط به، نزل عن فرسه الشقراء وعقرها، ثم تقلد الراية بيمينه، فقطعت، فأخذها بشماله، فقطعت، فاحتضنها بعضديه حتى قُتل. هذا المشهد يمثل قمة “الدراما الروحية”. إن احتضان الراية بالعضدين بعد فقد اليدين هو فعل رمزي بامتياز؛ إنه يعلن للعدو وللتاريخ أن الإرادة لا تُبتر ببتر الأعضاء، وأن الإيمان يجد دائماً وسيلة للبقاء والتحليق.

لماذا هذا الإصرار؟

  • اليقين بالوعد: اليقين بأن ما عند الله خير وأبقى.
  • المسؤولية الروحية: إدراك أن سقوط الراية هو سقوط للمعنوية الجمعية.
  • الحب المحمدي: الرغبة في لقاء الله ورسوله بأبهى صور الوفاء.

لقد كان جعفر في تلك اللحظة يمارس نوعاً من “الفلسفة العملية”؛ حيث يُثبت أن الذات المؤمنة قادرة على التجاوز الوجودي، أي تجاوز حدود الجسد المادي نحو آفاق التجريد الروحي.

العوض المجيد: جناحان من ياقوت

هنا نصل إلى جوهر “أنتولوجيا العوض”. إن الله عز وجل، الذي اطلع على قلب جعفر وصدقه، لم يترك هذا الفقد دون جبر. جاءت البشارة النبوية العظيمة لتضع النقاط على حروف الغيب؛ فقد روى البخاري وغيره أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “رأيت جعفر بن أبي طالب ملكاً يطير في الجنة مع الملائكة بجناحين”. وفي رواية أخرى: “إن الله قد عوضه عن يديه جناحين يطير بهما في الجنة حيث يشاء”.

هذا العوض ليس مجرد مكافأة مادية، بل هو “عوض من جنس العمل”. لقد قُيدت حركته في الأرض ببتر يديه وهو يذود عن الحق، فأطلق الله روحه وجسده البرزخي في ملكوت الجنان بجناحين. إنها فلسفة التحول من “القيد” إلى “الإطلاق”. ويؤكد هذا المعنى قوله تعالى: (وَلَنَجْزِيَنَّ الَّذِينَ صَبَرُوا أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) [النحل: 96].

الدروس الروحية: كيف نبني يقيننا المعاصر؟

إن قصة جعفر بن أبي طالب في مؤتة ليست مجرد ذكرى بطولية، بل هي منهاج عملي للإنسان المعاصر الذي يواجه “محن الفقد” و”انكسارات الحياة”. يمكننا استلهام الآتي:

  • الإيمان كقوة دفع: اليقين ليس استكانة، بل هو طاقة تجعل الإنسان يبذل أقصى ما لديه في مجاله (سواء كان علماً، أو عملاً، أو تربية).
  • مفهوم التعويض الإلهي: يجب أن يوقن المؤمن أن كل نقص في دنياه يقابله تمام في دينه أو آخرته إذا صبر واحتسب. (وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ * الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ) [البقرة: 155-156].
  • الثبات على المبدأ: كما لم يترك جعفر الراية رغم بتر يديه، لا ينبغي للمسلم أن يترك مبادئه وقيمه مهما بلغت ضغوط الحياة وتحدياتها.

خاتمة: إرث جعفر الطيار في وجدان الأمة

إن “أنتولوجيا العوض المجيد” تعلمنا أن الخسارة الحقيقية ليست في فقد الأطراف أو الأموال أو الأنفس، بل في فقد اليقين بالله. لقد تحول جعفر بن أبي طالب من قائد عسكري إلى “أيقونة روحية” تدرس في فلسفة التضحية. لقد أثبت أن “الاستبسال” هو أبلغ لغات الروح، وأن الله سبحانه وتعالى لا يضيع أجر من أحسن عملاً.

إننا اليوم، ونحن نقرأ سيرة “الطيار”، مدعوون لإعادة النظر في مفهومنا للربح والخسارة. فكل تضحية في سبيل الله هي استثمار طويل الأمد، وكل ألم في طريق الحق هو مشروع لأمل وعوض قادم لا محالة. رحم الله جعفراً، وجعلنا ممن يسيرون على نهج الصدق واليقين، حتى ننال العوض المجيد في مقعد صدق عند مليك مقتدر.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *