مقدمة: في محراب المعجزة وتجليات اليبس
تقف قصة كليم الله موسى عليه السلام في الوجدان الإسلامي كمنارةٍ لا تنضب من الدروس والعبر، إلا أن زاوية النظر التي سنتناولها اليوم تتجاوز السرد التاريخي لتغوص في أنتولوجيا “اليَبَسِ الإعجازي”. إنها دراسة في تلك اللحظة الفارقة التي تحولت فيها سيولة الماء إلى صلابة الأرض، ليس بفعل عوامل جيولوجية، بل بفعل ما يمكن تسميته “فيزياء الثقة المطلقة”. إننا أمام مشهد كوني يتم فيه إعادة صياغة خصائص المادة استجابةً لامتثال العبد لأمر ربه، مما يفتح لنا آفاقاً واسعة لفهم علاقة الروح بالمادة، واليقين بالواقع.
مشهد الحصار: حينما تتصادم الأبصار مع البصائر
يصور القرآن الكريم لحظة الذروة في المواجهة بين معسكر الإيمان ومعسكر الطغيان في قوله تعالى: (فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَىٰ إِنَّا لَمُدْرَكُونَ). في هذه اللحظة، كانت القوانين المادية تتحدث بلغة الهزيمة الحتمية؛ فالبحر من أمامهم والعدو من خلفهم. هنا تجلى الفارق بين “الإدراك البصري” الذي يحكمه المنطق المادي، وبين “الإدراك البصائري” الذي يستند إلى الوحي.
ردُّ موسى عليه السلام لم يكن مجرد طمأنة عاطفية، بل كان إعلاناً عن قانون كوني جديد: (قَالَ كَلَّا ۖ إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ). إن لفظة “كلا” هنا هي أداة ردع وتحطيم لكل اليقينيات المادية التي استسلم لها بنو إسرائيل. لقد أدخل موسى عليه السلام عنصر “المعية الإلهية” في معادلة الصراع، وهي المعية التي تملك مفاتيح المادة وتصرفها كيف تشاء.
فيزياء الثقة المطلقة: ما وراء القوانين المادية
إن ما نسميه “فيزياء الثقة” هو المبدأ الذي ينص على أن المادة، رغم جموحها وقوانينها الراتبة (كالسيولة في الماء، والصلابة في الحجر)، تظل محكومةً بإرادة خالقها. عندما وثق موسى بربه وثوقاً مطلقاً، تهيأت المادة للانقياد. يقول النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح الذي يرسخ مبدأ التوكل: “لو أنكم تتوكلون على الله حق توكله لرزقكم كما يرزق الطير، تغدو خماصاً وتروح بطاناً” (رواه الترمذي).
الثقة هنا ليست سلبية، بل هي حالة من الاستنفار الروحي الذي يجعل العبد يرى وراء الأسباب مسببها. في قصة اليبس، لم يطلب الله من موسى أن ينتظر غرق فرعون فحسب، بل أمره بفعل مادي بسيط في ظاهره، عظيم في آثاره، وهو ضرب البحر بالعصا.
الامتثال الواعي: ضربة العصا وسرُّ التحول
يأتي الأمر الإلهي حاسماً: (فَأَوْحَيْنَا إِلَىٰ مُوسَىٰ أَنِ اضْرِب بِّعَصَاكَ الْبَحْرَ ۖ فَانفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ). هنا يبرز مفهوم “الامتثال للأمر”. لماذا العصا؟ ولماذا الضرب؟ إنها تربية على أن الامتثال هو المفتاح الذي يروض جموح المادة. العصا في يد موسى هي جماد، والبحر سائل عظيم، والضرب فعل محدود القوة، ولكن عندما اقترن هذا الفعل بـ “الأمر الإلهي”، تلاشت الفوارق الفيزيائية.
- الامتثال المطلق: تنفيذ الأمر دون تساؤل عن الجدوى المادية (كيف تضرب الماء لييبس؟).
- ترويض المادة: الماء الذي كان مصدر غرق، أصبح جدراناً صلبة تحمي العابرين.
- سر التوقيت: المعجزة لا تسبق الامتثال، بل تتبعه ليكون الإيمان اختياراً لا اضطراراً.
أنتولوجيا اليبس: استنطاق المادة لخدمة الإرادة
يقول الله تعالى في سورة طه: (وَلَقَدْ أَوْحَيْنَا إِلَىٰ مُوسَىٰ أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِي فَاضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقًا فِي الْبَحْرِ يَبَسًا لَّا تَخَافُ دَرَكًا وَلَا تَخْشَىٰ). كلمة “يَبَسًا” هنا تحمل دلالة أنطولوجية عميقة. اليبس ليس مجرد جفاف، بل هو تحول جوهري في طبيعة القاع، بحيث أصبح صالحاً للمشي السريع والفرار من العدو دون وحل أو عوائق.
هذا اليبس الإعجازي هو رسالة لكل مؤمن بأن الله قادر على أن ييبس لك بحار الأزمات التي تغرق فيها، شريطة أن تملك “عصا الامتثال” و”قلب اليقين”. إن ترويض المادة هنا تم من خلال نزع صفة السيولة والاضطراب وإحلال صفة الثبات واليبوسة مكانها، وهو درس في أن الله هو المتصرف في طبائع الأشياء، لا الأشياء بذاتها.
أثر الامتثال في ترويض جموح الواقع المعاصر
نحن اليوم نعيش في عالم تحكمه الماديات، ونواجه “بحاراً” من التحديات الاقتصادية والاجتماعية والنفسية. إن استحضار نموذج “اليَبَس الإعجازي” يعلمنا أن مخرجنا ليس دائماً في القوانين الأرضية المألوفة، بل في امتثالنا لمن بيده ملكوت كل شيء. عندما نلتزم بأمر الله في بيعنا، وشرائنا، وأخلاقنا، وصبرنا، فإننا في الحقيقة نضرب “عصا الامتثال” في بحار أزماتنا، منتظرين “يبساً” ربانياً يفتح لنا طرقاً لم تكن في الحسبان.
فالامتثال ليس مجرد طاعة عمياء، بل هو ذكاء روحي يدرك أن صانع القانون (الله) هو الوحيد القادر على تعليق القانون لصالح أوليائه. وكما قال ابن القيم رحمه الله: “من اعتصم بالله وتوكل عليه، فلو كادت له السماوات والأرض بمن فيهن، لجعل الله له من بين ذلك مخرجاً”.
خاتمة: اليقين بوصفه الملاذ الأخير
إن قصة موسى واليبس الإعجازي ليست مجرد ذكرى تاريخية، بل هي خارطة طريق وجودية. إنها تخبرنا أن الثقة بالله ليست مجرد فكرة ذهنية، بل هي قوة فاعلة قادرة على تغيير معالم الواقع وتطويع المادة. إن اليبس الذي حدث لموسى يمكن أن يحدث في حياتنا بصور شتى؛ سكينةً في وسط القلق، ورزقاً من حيث لا نحتسب، ومخرجاً من ضيقٍ أحاط بنا من كل جانب.
فلنراجع امتثالنا لأمر الله، ولنصحح مسار ثقتنا به، فما زالت العصا في يد المؤمن (العمل والامتثال) وما زال البحر (الواقع) قابلاً للانفلاق بأمر ربه. (وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ ۚ وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ ۚ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ ۚ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا).

اترك تعليقاً