أين اختفت الفضيلة؟ صرخة المنفلوطي في وجه زيف الأخلاق

رحلة البحث عن المفقود: أين توارت الفضيلة؟

في عتمة هذا الوجود، وتحت وطأة الصراعات التي تمزق ثوب الإنسانية، يقف المرء متسائلاً بقلبٍ يملؤه الوجل: أين اختفت الفضيلة؟ ذلك النور الذي كان يُفترض أن يضيء دروب البشر، ويجعل من حياتهم واحة من السكينة والعدل. لقد خرجتُ أفتش عنها، لا في بطون الكتب ولا في أحلام الشعراء، بل في واقع الناس، وفي زحام الأسواق، وفي دهاليز السياسة، وفي محاريب القضاء، لعلّي أجد لها أثراً يُطمئن قلبي، أو بصيصاً من نور يبدد ظلمات اليأس.

إن الفضيلة ليست مجرد كلمة تُقال، أو شعار يُرفع في المحافل، بل هي جوهر العمل، ونقاء السريرة، وصدق المعاملة. ولكن، واأسفاه على ما آلت إليه أحوالنا، فقد غدت الفضيلة غريبة في ديارها، وحلّت محلها صورٌ مشوهة من الرياء والمادية الجافة التي لا تعرف للرحمة طريقاً.

في حوانيت التجارة: حين يصبح الربح سرقة مقنعة

يممتُ وجهي شطر الأسواق، حيث تضج الحياة بالحركة، وحيث يُفترض أن تكون الأمانة هي العملة الرائجة. دخلتُ حوانيت التجار، فإذا بي أرى مشهداً يُدمي القلب؛ رأيتُ التاجر الذي يرتدي ثياب البائع الأمين، وفي حقيقته ليس إلا لصاً متخفياً خلف ميزانه. يبيعني ما ثمنه دينار واحد بدينارين، ويوهم بضاعته بالكمال وهي ناقصة.

لقد غاب عن هؤلاء أن الفارق بين الحلال والحرام ليس مجرد أرقام، بل هو الفرق بين الجد والكد وبين الغش والكذب. أنا لا أعيب على التاجر أن يربح، فالتجارة قائمة على النماء، ولكنني أنكر عليه أن يسلب الناس أموالهم بالباطل، وأن يأخذ أكثر مما يستحقه لقاء جهده في جلب السلعة وحفظها. إن الذي يسرق الدينار من جيب الغافل لا يختلف في ميزان الأخلاق عمن يسرق الدرهم من يد المحتاج، فكلاهما قد خان الأمانة واستباح مال غيره بغير حق. فلو كان لي من الأمر شيء، لما فرقتُ في العقوبة بين لص الدرهم ولص الدينار، فكلاهما سارق لجوهر الفضيلة قبل أن يسرق حطام الدنيا.

في أروقة القضاء: ميزان القانون وكفة العدالة

غادرتُ الأسواق والأسى يملأ نفسي، وقلتُ لعلّي أجد الفضيلة في رحاب العدالة، حيث يُرفع الظلم ويُنصف المظلوم. ولكنني وجدتُ هناك ما هو أدهى وأمرّ. رأيتُ من القضاة مَن يحرص كل الحرص على نصوص القانون لا روح العدل؛ يرتعد خوفاً من هفوة في تطبيق مادة قانونية قد تُفقدُه كرسيه الذي يجلس عليه، ولا يرتعد من ضياع حقٍ أو إدانة بريء.

إن إنصاف المظلوم والضرب على يد الظالم أصبحا عند البعض مجرد أمور ثانوية، لا يُلتفت إليها إلا إذا وافقت هوى القانون أو جاءت بمحض الصدفة. فإذا ما تعارض روح الحق مع حرفية القانون، رأيت القاضي يحكم بغير ما يعتقد، وينطق بغير ما يعلم، مدافعاً عن نفسه بأن “القانون يملي عليه ذلك”. يا لله! كيف نسي هؤلاء أن القانون ما وُجد إلا لخدمة العقل والعدل، فكيف يصبح العقل أسيراً لنصٍ جامد يُهدر الحقوق ويُبرئ الجناة؟ إن الفضيلة في القضاء هي الشجاعة في إحقاق الحق، وليست مجرد البراعة في تأويل النصوص.

في قصور الأثرياء: صراع الشح والتبذير

قلتُ في نفسي: ربما سكنت الفضيلة في قصور الأغنياء، حيث النعيم والرفاهية التي قد تفتح القلب للإحسان. ففتشتُ هناك، فما وجدتُ إلا صنفين من البشر: غنيّ شحيح يحبس ماله، أو غنيّ متلاف يبعثره في غير وجهه.

أما الشحيح، فقلبه قطعة من حجر صلد؛ لو كان جاراً للسيدة فاطمة الزهراء -رضي الله عنها- وسمع أنين جوعها وجوع ولديها في جوف الليل، لما تحركت فيه ذرة من رحمة، بل لسدّ أذنيه حتى لا يزعجه صوت الحق. وأما المتلاف، فما ماله إلا وقودٌ لشهواته، يُنفقه بين مجالس اللهو والعبث، لا يعرف للمعروف طريقاً، ولا للفقير حقاً.

تساءلتُ بمرارة: على يد أي من هذين تدخل الفضيلة تلك القصور المنيعة؟ إن الغنى الحقيقي هو غنى النفس واليد الكريمة التي تمتد بالخير، أما المال الذي لا يمسح دمعة ولا يطعم جائعاً، فهو وبالٌ على صاحبه في الدنيا والآخرة.

في ساحات السياسة: عهود من ورق ودماء من هدر

ثم انتقلتُ ببحثي إلى مجالس السياسة، حيث تُعقد المعاهدات وتُبرم الاتفاقيات. فرأيتُ عالماً من الألفاظ المترادفة التي لا تعني في جوهرها إلا الكذب والمراوغة. رأيتُ الملوك والقادة يتلاعبون بالعهود كما يتلاعب الحوذي بعربته، ينقضون المواثيق لأدنى سبب، ويجعلون من الإنسان عدواً لأخيه الإنسان.

لقد أعدت كل أمة في ترساناتها من أدوات الموت ما يفوق الوصف؛ طائرات وسفن وقلاع، كلها تنتظر لحظة طيش أو خلاف على لقب أو حدود، لينقضّ الإنسان على أخيه الإنسان هجمة وحشية لا تُبقي ولا تذر. ولو سألتَ أولئك الجنود الذين يُساقون إلى المذابح: لماذا تقتتلون؟ لما وجدوا جواباً شافياً. إنهم مخدوعون، يُضحون بأرواحهم لا من أجل فضيلة أو مبدأ، بل من أجل أوسمة تُوضع على صدور القادة، أو درر تُضاف إلى تيجان الملوك. أين الفضيلة في عالم يقدس القوة ويذبح السلام على مذبح الأطماع؟

بين المنابر والصحف: تجارة العقول في أسواق الجهل

ولم تسلم حتى المنابر والصحافة من هذا التفتيش، فظننتُ أنني سأجد الفضيلة عند رجال الدين أو رجال الفكر والقلم. ولكنني وجدتُ أن البعض قد اتخذ من العقول بضاعة يُتاجر بها في أسواق الجهل.

رأيتُ من يفسد القلوب ويقتل العقول باسم الدين، ومن يسرق الذخائر ويسلب الخزائن باسم السياسة. لقد جعلوا من الكلمة سلاحاً للتضليل بدلاً من أن تكون مشعلاً للتنوير. إن الفضيلة تقتضي الصدق مع النفس ومع الناس، فإذا فسد الملح فبماذا يُملح؟ إذا صار رجل الدين ورجل الصحافة أدوات للزيف، فمن أين يرتوي الناس بماء الحقيقة؟

غاية المنى: في البحث عن الصديق الصدوق

بعد كل هذا التطواف، لم أعثر على الفضيلة في الأماكن التي ظننتها موطنها. فهل أبحث عنها في الحانات أو السجون؟ قد يقول القائل إنني غلوتُ في حكمي، وبالغتُ في تشاؤمي، وأن الفضيلة لا تزال موجودة في صدور الكثيرين.

وأنا أقول لهؤلاء: إني لا أنكر وجودها، ولكنني أجهل مكانها! لقد حجب رياء الناس عن عيني رؤية النور، حتى أصبحتُ كمن يبحث عن نجم في ليلة غائمة شديدة السواد. الكل يدعي الفضيلة، والكل يرتدي ثيابها، ولكن أين المخبر من المظهر؟

إن سعادتي في هذه الحياة، بل غاية ما أتمناه، هو أن أعثر على “صديق” واحد. صديق يصدقني الود وأصدقه، لا يطمع في مأرب، ولا يحمل في قلبه حقداً. إنسان شريف النفس، شريف القلب، شريف اللسان، لا يكذب ولا ينمّ، ولا يحب إلا الفضيلة ولا يبغض إلا الرذيلة. هذا هو الكنز الذي أنشده، ولكنني -واأسفاه- لا أراه في زحام هذا العالم المادي.

الخاتمة: وحشة الإنسان وأنس الطبيعة

إني أنظر إلى الطبيعة من حولي، فأرى الرياض الغناء، وأسمع صفير البلابل وخرير الجداول، وأرى جمال الخلق في كل زاوية. ولكن، حتى هذا الجمال لا يطربني ولا يسرني، لأنني لا أجد فيه ضالتي المنشودة وهي “الإنسان الفاضل”. لقد سمج وجه الرذيلة في عيني حتى تمنيتُ أن أعيش بلا قلب، لكي لا أشعر بمرارة هذا الزيف.

ولولا أطفال صغار يربطونني بهذا العالم، لفررتُ إلى عزلة الصمت، بعيداً عن ضجيج البشر وكذبهم، ولرددتُ مع ذلك الذي استأنس بالذئب حين عوى، وفزع حين سمع صوت إنسان، كما قال الشاعر:

عَوَى الذئبُ فَاسْتَأْنَسْتُ بالذئبِ إذْ عَوَى … وصَوَّتَ إنسانٌ فَكِدْتُ أَطِيرُ

إن البحث عن الفضيلة سيظل رحلة العمر، وسأبقى أرتقب بزوغ فجرها في قلوب البشر، لعلّ يوماً يأتي تشرق فيه شمس الأخلاق من جديد، فتمحو ظلمات الغش والظلم والرياء.

المصدر: طريق الإسلام

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *