مقدمة: ما وراء المادة ونهاية النظم المعهودة
إن المتأمل في نصوص الوحي الشريف، كتاباً وسنة، يدرك أن هذا الوجود المادي ليس إلا مرحلة عابرة في رحلة الروح نحو بارئها. فالكون الذي نعيشه محكوم بقوانين فيزيائية ورتابة كونية جعلها الله سبحانه وتعالى سبباً لاستقرار الحياة (وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَّهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ). إلا أن هذه القوانين ليست أبدية، بل هي خاضعة لمشيئة إلهية قضت بأن لكل بداية نهاية، وأن هذا العالم سيواجه لحظة انكسار كبرى، وهو ما نعبر عنه بـ “الاضطراب الموجه”؛ وهو اضطراب في ظاهر الأمر للعين المجردة، لكنه في الحقيقة ميكانيكا إلهية دقيقة تؤذن بتصدع المادة وانبثاق الحقيقة الغيبية الكبرى.
أولاً: مفهوم الاضطراب الموجه في الفكر الإسلامي
عندما نتحدث عن “الاضطراب الموجه”، فإننا لا نعني الفوضى العبثية، بل نعني تلك التحولات الكونية والاجتماعية التي تسبق قيام الساعة، والتي تبدو في ظاهرها خروجاً عن المألوف، لكنها في جوهرها خطوات مرسومة بدقة في اللوح المحفوظ. يقول الله تعالى: (اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُّعْرِضُونَ). هذا الاقتراب يتجلى في صورة “أشراط” أو علامات، وهي بمثابة رسائل تنبيهية للعقل البشري بأن المادة التي يرتكن إليها أوشكت على النفاد.
إن أشراط الساعة، صغراها وكبراها، هي في الحقيقة خلخلة إبستيمولوجية (معرفية) لمفهوم الاستقرار المادي. فحينما يتطاول الحفاة العراة في البنيان، وحينما تلد الأمة ربتها، فنحن أمام انقلاب في المعايير الاجتماعية والمادية، وهو تمهيد للانقلاب الكوني الأكبر. يروي الإمام مسلم في صحيحه عن النبي صلى الله عليه وسلم قوله: “بادروا بالأعمال فتناً كقطع الليل المظلم، يصبح الرجل مؤمناً ويمسي كافراً، ويمسي مؤمناً ويصبح كافراً، يبيع دينه بعرض من الدنيا”. هذا الحديث يصف حالة من الاضطراب القيمي والروحي الذي يسبق الانهيار المادي، حيث تفقد المادة قدرتها على منح الطمأنينة، وتصبح الفتن هي الغربال الذي يميز الخبيث من الطيب.
ثانياً: ميكانيكا الأشراط وتصدع العالم المادي
تُعد أشراط الساعة الكبرى، مثل طلوع الشمس من مغربها وخروج الدابة، ذروة التصدع المادي. في هذه المرحلة، تنكسر القوانين الفيزيائية التي ألفها الإنسان لآلاف السنين. هذا الانكسار ليس خللاً في الخلق، بل هو إعلان عن انتهاء “زمن التكليف” وبدء “زمن المشاهدة”.
- طلوع الشمس من مغربها: هو الانكسار النهائي لقانون القصور الذاتي وحركة الأجرام، وهو إيذان بغلق باب التوبة، لأن الحقيقة الغيبية أصبحت الآن حقيقة مشاهدة (يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لَا يَنفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِن قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا).
- الدخان: يقول تعالى: (فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُّبِينٍ)، وهو تعبير عن تلوث الرؤية المادية وحجب الآفاق المعهودة، مما يجبر النفس على الالتفات إلى الداخل وإلى السماء.
- الزلازل والخسوفات: تمثل الانهيار الهيكلي للأرض التي استأمنها الإنسان واتخذها قراراً، لتذكره بأن (إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالَهَا * وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقَالَهَا) هو المصير الحتمي.
ثالثاً: انبثاق الحقيقة الغيبية من ركام المادة
في خضم هذا الاضطراب الموجه، تبدأ الحقيقة الغيبية بالظهور والسطوع. إن الإيمان بالغيب هو الركن الركين في الإسلام (الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ)، وأشراط الساعة هي الجسر الذي يعبر بنا من “الإيمان بالغيب” إلى “عين اليقين”. فعندما يخرج الدجال بقدرات خارقة، يكون ذلك اختباراً أخيراً للعقل المادي الذي يقدس الأسباب؛ فمن غرق في المادة سيراه رباً، ومن استنار بنور الوحي سيقرأ بين عينيه “كافر”.
هنا يظهر دور البصيرة الإيمانية في قراءة الأحداث. فالمؤمن لا يرى في الكوارث والتحولات مجرد حوادث صدفة، بل يراها تجلياً لأسماء الله الحسنى، وفناءً للمؤقت أمام الباقي. إن العالم المادي يشبه القشرة، والأشراط هي التشققات التي تظهر على هذه القشرة قبل أن ينبثق منها ما بداخلها. هذا الانبثاق هو رجوع الروح إلى بارئها، واتصال الأرض بالسماء في مشهد مهيب ينهي رحلة الاختبار.
رابعاً: الموقف الروحي والعملي في زمن الاضطراب
إن الغرض من دراسة أشراط الساعة وإبستيمولوجيا النهاية ليس بث الرعب أو الاستسلام، بل هو إحداث يقظة روحية شاملة. الوسطية الإسلامية تقتضي منا أن نعمل لعمارة الأرض وكأننا نعيش أبداً، ونستعد للرحيل وكأننا نموت غداً.
يقول النبي صلى الله عليه وسلم: “إن قامت الساعة وفي يد أحدكم فسيلة، فإن استطاع أن لا تقوم حتى يغرسها فليغرسها” (رواه أحمد). هذا الحديث يمثل قمة التوازن؛ فبرغم الاضطراب الكوني العظيم، يظل العمل الصالح والبناء هو المطلب الأساسي. إن الاضطراب الموجه يهدف إلى تحرير الإنسان من عبودية المادة، ليكون عبداً لله وحده في أحلك الظروف.
واجبنا تجاه هذه المرحلة يتلخص في:
- الاعتصام بالوحي: العلم الشرعي هو العاصم من الفتن (فَاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إِلَيْكَ إِنَّكَ عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ).
- التزكية النفسية: تطهير القلب من التعلق بالدنيا الزائلة، ليكون مستعداً للقاء الله.
- الفقه بالواقع: فهم تحولات الزمان من منظور سنني، وعدم الانجرار خلف التفسيرات المادية البحتة التي تغفل يد الله في الكون.
خاتمة: العودة إلى الأصل
في الختام، إن إبستيمولوجيا الاضطراب الموجه تعلمنا أن العالم لا يسير نحو العدم، بل يسير نحو “الحق”. إن تصدع العالم المادي ليس نهاية القصة، بل هو بداية الفصل الحقيقي والأبدي. أشراط الساعة هي صرخات تنبيه لروح الإنسان لتستيقظ من سكرتها المادية وتدرك أن (وَمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَهْوٌ وَلَعِبٌ وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ).
فلنكن ممن يقرأ الآيات بعين القلب، ولنجعل من اضطراب الدنيا حافزاً لاستقرار الإيمان في صدورنا، مستمسكين بحبل الله المتين، سائلين الله الثبات حتى نلقاه وهو راضٍ عنا.

اترك تعليقاً