# الإسراف في رمضان: حين يغيب جوهر الصيام في ضجيج الاستهلاك
الحمد لله الذي جعل الصيام جنة، وشرع لنا من الدين ما يزكي النفوس ويطهر القلوب، والصلاة والسلام على المعلم الأكمل، والقدوة الأسمى، محمد بن عبد الله، الذي علمنا أن خير الأمور أوسطها، أما بعد:
يطل علينا شهر رمضان المبارك، شهر الطاعات والقربات، الشهر الذي أُنزل فيه القرآن هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان. هذا الشهر الذي أراده الله عز وجل ليكون محطة سنوية للتزكية، ومدرسة لتربية الإرادة، ومنطلقاً لتحقيق التقوى كما قال سبحانه: {لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ}. ولكن، وبكل أسى، نرى واقع الكثير من المسلمين اليوم قد انحرف بهذا المقصد العظيم، فتحول رمضان من شهر للاقتصاد في المادة والتوسع في الروح، إلى شهر للإسراف في المادة وتضييع الروح.
مفهوم الإسراف والتبذير في المنظور الإسلامي
قبل أن نبحر في صور الإسراف المعاصرة في رمضان، يجب أن نفهم ماذا يعني الإسراف في ميزان الشرع. يقول الله تعالى في كتابه العزيز: {وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا} [الأعراف: 31]، ويقول سبحانه مؤكداً هذا النهج: {وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ} [الأنعام: 141].
إن الإسراف ليس مجرد كثرة الإنفاق، بل هو تجاوز الحد في المباحات، أو وضع الشيء في غير موضعه. وقد فسر سفيان بن عُينية قوله تعالى: {وَلَا تُسْرِفُوا} بقوله: “ما أُنفِق في غير طاعة الله يعتبر سرفًا وإن كان قليلًا”. وهذا تعريف دقيق يربط الإنفاق بالمقصد والغاية.
أما ابن كثير رحمه الله، فقد رسم لنا معالم المنهج الوسطي عند تفسيره لقوله سبحانه: {وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا} [الفرقان: 67]، حيث قال: “أي ليسوا بمبذِّرين في إنفاقهم، فيَصرِفون فوق الحاجة، ولا بخلاء على أهليهم، فيقصِّرون في حقِّهم فلا يَكْفُونهم؛ بل عدلًا خيارًا، وخير الأمور أوسطها، لا هذا ولا هذا”.
ويفرق العلماء بين الإسراف والتبذير؛ فالتبذير هو إنفاق المال في المعاصي وفيما لا ينبغي. يقول ابن عباس رضي الله عنهما في قوله تعالى: {إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ} [الإسراء: 27]: “هم الذين يُنفِقون المال في غير حقه”. وأكد هذا المعنى الإمام مجاهد بقوله: “لو أنفق إنسان ماله كلَّه في الحق، لم يكن مبذِّرًا، ولو أنفَق مُدًّا في غير حق، كان مبذِّرًا”.
أولاً: الإسراف في الطعام والشراب (فخ المائدة)
من أعجب المفارقات أن يكون رمضان شهر الصيام عن الطعام، ثم يصبح في واقعنا الشهر الأكثر استهلاكاً له! نرى تهافت الناس على الأسواق قبل رمضان وكأنهم يستعدون لمجاعة، فتمتلئ البيوت بالأرز والسكر واللحوم والحلويات بغير حساب.
ضياع الأوقات في المطابخ
تقضي المرأة المسلمة في رمضان ساعات طوال، تبدأ من صلاة الظهر وتستمر حتى أذان المغرب، وهي حبيسة المطبخ تعد أصنافاً وألواناً من الطعام. هذا الوقت الثمين الذي هو وعاء العبادة والذكر وقراءة القرآن، يُهدر في إرضاء شهوة البطن. وعندما يحين وقت الإفطار، نجد الموائد مملوءة بما لذ وطاب، وما زاد عن الحاجة يكون مصيره غالباً صناديق النفايات، في صورة من أبشع صور كفر النعمة.
التخمة وضياع لذة العبادة
إن الشبع المفرط في رمضان ليس مجرد سلوك غذائي خاطئ، بل هو عائق روحي كبير. لقد حذَّر النبيُّ صلى الله عليه وسلم من ذلك فقال: «ما ملأ آدميٌّ وعاء شرًّا من بطنه، بحسْبِ ابن آدم أُكُلاتٌ يُقِمنَ صُلبَه، فإن كان لا محالة فثُلُثٌ لطعامه، وثلُث لشرابه، وثلُث لنفَسِه».
عندما تمتلئ البطون عند الإفطار، تثقل الأجساد عن القيام، وتغيب حلاوة المناجاة في صلاة التراويح. قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: «من كثر أكلُه، لم يجد لذِكرِ الله لذةً». وقال إبراهيم بن أدهم: “مَن ضبَط بطنَه ضبَط دينَه، وإن معصية الله بعيدة من الجائع، قريبةٌ من الشبعان”.
أين نحن من حال إخواننا في غزة وفي القارة الإفريقية الذين لا يجدون ما يقتاتون به؟ إن زيادة أوزان المسلمين في رمضان هي معيار مادي يدل على خلل في فهمنا لروحانية هذا الشهر. تذكر قول لقمان لابنه: “يا بُنيَّ، إذا امتلأت المعدة نامت الفكرة، وخَرِسَتِ الحكمة، وقعَدت الأعضاء”.
ثانياً: الإسراف في النوم والسهر الضائع
الصورة الثانية من صور الإسراف هي قلب نظام الحياة بشكل يقتل بركة الوقت. يسرف الكثيرون في السهر ليلاً فيما لا ينفع، من قيل وقال، ومتابعة للمسلسلات والبرامج التي لا تزيد القلب إلا غفلة، أو الجلوس على المقاهي في “خيم رمضانية” أبعد ما تكون عن روح رمضان.
ثم إذا جاء النهار، استغرقوا في نوم عميق يمتد من الفجر إلى العصر، وربما ضاعت بسببه صلوات مفروضة في أوقاتها. هؤلاء لم يصوموا الحقيقة، بل ناموا عن الحقيقة. إن رمضان “أياماً معدودات”، تمر كالبرق، وكل ساعة فيه هي كنز لا يمكن تعويضه.
ألقاهُ شهرًا لكن في نهايتِه *** يمضي كطَيفِ خيالٍ قد لَمَحْناهُ
ثالثاً: الإسراف في تضييع الأوقات
الوقت هو رأس مال المسلم، وفي رمضان يتضاعف ثمن هذا الوقت. السلف الصالح كانوا يشحون بأوقاتهم كما نشح نحن بأموالنا. قال الحسن البصري: “أدركتُ أقوامًا كان أحدهم أشحَّ على عمره منه على درهمه”.
اليوم، نرى التفنن في “تسلية الصيام”، وكأن الصيام عبء ثقيل نريد التخلص منه بسرعة عبر الألعاب الإلكترونية أو الأحاديث الفارغة. تذكر وصية النبي صلى الله عليه وسلم: «اغتنم خمسًا قبل خمس… فراغَك قبل شغلك، وحياتك قبل موتك».
كيف تحفظ وقتك في رمضان؟
1. التخطيط المسبق: حدد وردك من القرآن والذكر قبل بداية اليوم.
2. فقه الأولويات: قدم الأهم (الفرائض والسنن الرواتب) على المهم.
3. تجنب الفضول: فضول النظر، وفضول الاستماع، وفضول الخلطة.
4. الإيجاز: إذا كان لك مهمة دنيوية فأوجز فيها لتعود إلى محرابك.
الوقتُ أثمَنُ ما عُنيتَ بحفظِه *** وأراه أسهلَ ما عليك يضيعُ
رابعاً: الإسراف في الكلام (آفات اللسان)
من أخطر صور الإسراف في رمضان إطلاق العنان للسان. فالصوم ليس صوماً عن الطعام والشراب فحسب، بل هو صوم عن اللغو والرفث. من الناس من يقضي نهاره في الغيبة والنميمة أو كثرة الكلام الذي لا فائدة منه، وهذا يخدش جمال الصوم وقد يذهب بأجره.
قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إن الرجل لَيتكلَّمُ بالكلمة لا يُلقي لها بالًا من سخط الله، فيزلُّ بها في النار سبعين خريفًا». وكان السلف يحرصون على قلة الكلام إلا في ذكر الله أو أمر بمعروف أو نهي عن منكر. كتب عمر بن العزيز إلى بعض أصحابه: “أما بعدُ، فإن من أكثر ذِكرَ الموت رضي من الدنيا باليسير، ومَن عَدَّ كلامه من عمله، قلَّ كلامه إلا فيما ينفع”.
واجب عملي: نحو رمضان بلا إسراف
أيها المسلم الكريم، إن التغيير يبدأ بقرار. اجعل من هذا الرمضان نقطة تحول في حياتك:
- في المائدة: اكتفِ بصنف واحد أو اثنين، وتذكر الفقراء، وما فاض عن حاجتك فليذهب لمستحقيه فوراً.
- في النوم: نظم ساعات نومك ليكون لك نصيب من قيام الليل ونصيب من العمل والعبادة في النهار.
- في اللسان: اجعل لسانك رطباً بذكر الله، وإذا نازعتك نفسك للكلام تذكر قوله تعالى: {مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ}.
- في الميزان: اجعل معيارك ليلة العيد؛ هل نقص وزنك المادي وزاد وزنك الإيماني؟ أم العكس؟
إن الاقتصاد في المباحات هو أول طريق السيادة على النفس، ومن عجز عن ضبط بطنه ولسانه في رمضان، فهو عما سواه أعجز. فلنحذر أن نكون ممن قال فيهم النبي صلى الله عليه وسلم: “رُبَّ صائمٍ ليس له من صيامه إلا الجوع والعطش”.
نسأل الله أن يتقبل منا ومنكم الصيام والقيام، وأن يعيننا على ذكره وشكره وحسن عبادته، وأن يجعلنا من المقتصدين لا من المسرفين. وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

اترك تعليقاً