# الإنسان والإنسان الموازي: قراءة في قعر الانحراف البشري
في عالمٍ يموج بالمتناقضات، وتتلاطم فيه أمواج الفتن، يبرز مصطلح “الإنسان الموازي” كظاهرةٍ تستحق التأمل والوقوف طويلاً. إننا لا نتحدث هنا عن كائناتٍ من خيال علمي، بل عن مسخٍ أخلاقي يتشكل في رحم المادية المفرطة والبعد عن هدي السماء. إن هؤلاء الذين صُدموا وتفاجؤوا بنتائج التحقيقات في قضية “ابستين” وما كشفته من فظائع، هم في الحقيقة الذين لم يدركوا بعدُ عمق الهوة التي يمكن أن يتردى فيها الكائن البشري حين يتخلى عن فطرته.
صدمة “ابستين” والوعي المبكر
إن الذين تعجّبوا من تلك الأخبار ومن بشاعة ما اقترفته أيدٍ كانت تُحسب على نخبة المجتمع العالمي، هم وحدهم الذين نطلق عليهم “الموازين للإنسانية”؛ أولئك الذين يعيشون في غفلة عن السنن الكونية والحقائق القرآنية. أما المؤمن البصير، فقد أدرك هذه الحقيقة مبكراً، ليس رغبةً في التشاؤم، بل انطلاقاً من فهمٍ عميق للطبيعة البشرية حين تتحرر من قيود الوحي والضوابط الأخلاقية.
إن العجب ليس من وقوع هذه الفظائع في حد ذاتها، فهي ليست إلا نتيجة حتمية لمقدماتٍ فاسدة. لقد أخبرنا القرآن الكريم عن هذه النتيجة بأساليب متنوعة، محذراً ومنبهاً من مآلات الانغماس في الشهوات. إن ما نراه اليوم من سقوطٍ مروع للقيم في الغرب، وما تكشفه الوثائق المسربة، ما هو إلا تجسيد مادي لواقعٍ معنوي أخبرنا به الخالق سبحانه.
وقفة مع قوله تعالى: {وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَن تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا}
تأمل معي يا رعاك الله في هذا النص القرآني المعجز. إن الله عز وجل لم يقل “أن تميلوا” فحسب، بل أردفها بوصفٍ يهز الوجدان: {مَيْلًا عَظِيمًا}.
دلالات الميل العظيم
1. الخروج التام عن الجادة: الميل في أصله هو الانحراف عن الخط المستقيم، ولكن حين يوصف بالعظمة، فإنه يشير إلى انحرافٍ لا يكتفي بمجرد الخطأ، بل يسعى للوصول إلى أقصى نقاط البعد عن الفطرة.
2. الإرادة المبيتة: الآية تبدأ بـ {ويريد}، مما يعني أن هناك تخطيطاً، وإصراراً، وسعياً حثيثاً من قِبل عَبَدة الشهوات لجرّ البشرية جمعاء إلى هذا المستنقع.
3. شمولية الانحراف: هذا الميل العظيم يطول الفكر، والسلوك، والعلاقات، والسياسات، حتى يصبح القبيح معروفاً والمعروف منكراً.
إن عظمة هذا الانحراف تعني أنه لا يدركُ قعره؛ فكلما ظن الناس أن البشرية وصلت إلى أحطّ دركات السقوط، فاجأهم “الإنسان الموازي” بظلمةٍ أشد قتامة. وما أنبأَت عنه الأخبار والتحقيقات الدولية هو مجرد القشرة الخارجية مما يُرى، وما خفيَ في كواليس الشهوات المظلمة أعظم وأدهى!
التباين الصارخ: بريءٌ يسأل وجشعٌ يفعل
في عالمنا المعاصر، نعيش مفارقةً تدمي القلوب وتستنطق الحجر. ففي بقعةٍ من الأرض، تجد بريئاً مسحوقاً، طفلاً يتيماً أو مظلوماً مضطهداً، يرفع صوته بالسؤال والاستغاثة، فلا يجد مجيباً، ولا يجد من يمد له يد العون في غابة المصالح الدولية.
وعلى الضفة الأخرى، وتحديداً في ذلك “الغرب” الذي طالما صدّر لنا شعارات حقوق الإنسان، نجد جشعاً متمكناً، يرتكب أقبح الموبقات، وينتهك أقدس الحرمات، ولا يجد رقيباً يحاسبه أو سلطةً تردعه، بل ربما وجد نظاماً يحميه ويتستر على مخازيه.
وبين هذين القطبين -الضحية والجاني- تبرز فئةٌ ثالثة، وهي الأخطر في ميزان القيم: أولئك الذين يراقبون المشهد بصمت، يدركون الحقيقة، يرون الظلم، لكنهم لا يحركون ساكناً ولا يطالبون بتغيير. إنهم شهود الزور على عصرٍ انحدرت فيه الإنسانية إلى دركٍ سحيق.
الإنسان الموازي: مسخ الهوية
إن “الإنسان الموازي” هو ذلك الكائن الذي يشبهنا في الخلقة، لكنه يوازينا في المسار ولا يلتقي معنا في المبدأ. هو الإنسان الذي استبدل بقلبه آلةً، وبعقله أداةً لتبرير الشهوات.
- فقدان البوصلة: لا يبحث عن الحق، بل يبحث عن اللذة.
- تأليه الأنا: يرى أن رغباته هي القانون الأعلى الذي يجب أن يخضع له الجميع.
- العداء للفطرة: يشعر بالتهديد من كل ما هو طاهر ونقي، ولذلك يسعى جاهداً لتعميم “الميل العظيم”.
الهروب من عالم السوء
لقد صدق الشاعر حين وصف حالنا وحال هذا العالم المضطرب بقوله:
> نُضَحي وَنُمسي كَبَني آدَمٍ .. وَما عَلى الغَبراءِ إِلّا سَفيه
> فَنَسأَلُ العالِمَ إِنقاذَنا .. مِن عالَمِ السوءِ الَّذي نَحُن فيه
إننا نعيش في “عالم السوء” ليس لأن الأرض خلت من الخير، بل لأن صوت السفاهة والشهوة صار أعلى، ولأن الانحراف صار “عظيماً” ومنظماً. إننا بحاجةٍ ماسة إلى العودة إلى “العالِم” الحقيقي، وهو الله سبحانه وتعالى، والتمسك بحبل دينه الذي هو طوق النجاة الوحيد.
كيف نحمي أنفسنا من الميل العظيم؟
1. الاعتصام بالوحي: إن القرآن هو الكاشف لخطط أصحاب الشهوات، وهو الحصن الذي يحمي العقل من التلوث بأفكارهم.
2. إحياء الرقابة الذاتية: في عالمٍ يسقط فيه الرقيب الخارجي، لا بد من تقوية وازع التقوى في القلوب.
3. كشف الزيف: يجب ألا ننخدع بالمظاهر البراقة للحضارة المادية، وأن ندرك أن خلف الأضواء قد تختبئ أفظع الجرائم.
4. العمل الجماعي: إن مواجهة “الميل العظيم” تتطلب جهداً عظيماً في الإصلاح، والدعوة، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
خاتمة وتأمل
إن قضية ابستين وغيرها ليست مجرد حوادث عابرة، بل هي نواقيس خطر تدق لتنبه الغافلين. إن الصراع بين “الإنسان الفطري” و”الإنسان الموازي” هو صراع قديم قدم البشرية، لكنه في زماننا هذا اتخذ أشكالاً أكثر تنظيماً وخطورة.
يا أيها السائل عن الخلاص، اعلم أن النور لا يأتي من دهاليز السياسة المظلمة، ولا من فلسفات الماديين، بل يأتي من مشكاة النبوة. إن قوله تعالى {أن تميلوا ميلًا عظيمًا} ليس مجرد إخبار، بل هو تحذيرٌ لكل أب، وكل أم، وكل شاب، بأن يحذروا من تلك الجاذبية القوية نحو الهاوية.
نسأل الله العظيم، رب العرش العظيم، أن ينقذنا من عالم السوء، وأن يثبتنا على الفطرة السوية، وأن يجعلنا من الذين يدركون الحق فيتبعونه، ويدركون الباطل فيجتنبونه. فلا نجاة لنا إلا بالعودة إلى حقيقة إنسانيتنا التي كرمها الله بالاستخلاف، وصانها بالتكاليف، وحماها من غوائل الشهوات.

اترك تعليقاً