# الاستقامة في الإسلام: المنهج الرباني لبناء جيل البصيرة وإقامة الأمة
مقدمة: حيرة الجيل وتيه الأهداف
إذا ما ألقينا نظرةً فاحصةً، يملؤها الأسى والشفقة، على حال شباب الأمة العربية والإسلامية في عصرنا الراهن، سنرى مشهداً يبعث على التأمل العميق. إننا نرى كثرةً كاثرة تسير في دروب الحياة تائهةً عن الغاية الكبرى، وغافلةً عن الخطوات المنهجية اللازمة لتحقيق تلك الغاية.
تتعدد المشارب والمسالك؛ فمنهم من يحصر سعيه في منفعة مادية عاجلة، ومنهم من جعل المال معبوده وقبلته في كل شأن، وآخر يسعى لرضا الله لكنه يعتزل الخلق سلبياً بلا أثر، وفريقٌ يندفع بحماس كتيار النهر الموّاج لكنه بلا ضفاف تضبط مساره، وآخرون يعيشون كالمصابيح المحترقة أو كالرماد الذي تذروه الرياح، يبعثرون طاقاتهم في الفراغ بلا منهج ولا منهجية.
وفي وسط هذا الزحام، تبرز فئة قليلة، أولئك الذين يبصرون الله في كل تفاصيل حياتهم، هم (عباده) المخلصون الذين يعبدونه على بصيرة، ويجمعون بين الإقامة والاستقامة. فمن أين استمدوا تلك البصيرة؟ وكيف نبنيها في نفوسنا؟ وماذا نعني بقولنا: “في كل استقامة إقامة”؟
أولاً: الاستقامة.. أصلها الإيمان ومنتهاها الإحسان
لقد لخص النبي الأكرم محمد ﷺ منهج الحياة كله في كلمات معدودات، حين جاءه الصحابي الجليل سفيان بن عبد الله الثقفي -رضي الله عنه- يسأله سؤالاً جامعاً مانعاً: (قُلتُ: يا رَسولَ اللهِ، قُلْ لي في الإسْلامِ قَوْلًا لا أسْأَلُ عنْه أحَدًا بَعْدَكَ، “وفي حَديثِ أبِي أُسامَةَ غَيْرَكَ”، قالَ: «قُل: آمَنْتُ باللَّهِ، ثم اسْتَقِمْ»). [رواه مسلم]
إن هذا الحديث النبوي العظيم يضعنا أمام حقيقة جليّة؛ وهي أن فعل الأمر (استقم) لم يأتِ منفرداً، بل جاء معطوفاً بـ “ثم” على مفهوم الإيمان بالله. وهذا يقرر أن الاستقامة وانضباط النفس، وثبات العقل والقلب على الصراط المستقيم، لا بد أن ينطلق من قاعدة صلبة من العقيدة والتوحيد.
لقد كانت استقامة النبي ﷺ وصحابته الكرام قائمة على “إقامة” سلامة القلب أولاً. ولهذا نجد أن ديننا الحنيف بُني بنياناً محكماً؛ بدأ بأركان الإيمان الستة التي تمثل الجانب الاعتقادي القلبي، ثم أتبعها بأركان الإسلام الخمسة التي تمثل الجانب التطبيقي العملي. فإذا ألمَّ المسلم بهذه الأركان وجعلها منهاج حياة، استحق أن يكون مسلماً ذا بصيرة.
وهنا نرتقي إلى ذروة السنام، وهو مقام “الإحسان” الذي ورد في حديث عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- حين سأل جبريلُ عليه السلام النبيَّ ﷺ: (فأخبرني عن الإحسان، فقال رسول الله: {أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك}). إنها قمة الاستقامة؛ حيث تزداد بصيرة الإنسان كلما تعمق في قاعدته العقدية والتزم بتطبيقاته العملية، ليرتقي من مجرد العمل إلى رتبة المراقبة والشهود.
ثانياً: فكرة التغيير.. من “خصلة الرأي” إلى عقيدة المجتمع
لنتأمل الأمر من زاوية اجتماعية وفكرية؛ إن أي تغيير إيجابي في المجتمع لا بد أن يبدأ بـ “فكرة”، أو ما يمكن تسميته “خصلة رأي”. هذه الخصلة حين تُزرع وتُسقى بالتربية والبيان، تتحول في أذهان الناس إلى عقيدة راسخة. وإذا آمن الناس بهذه العقيدة، تحولت إلى طبع أصيل ومنهاج حياة يصبغ جذور المجتمع.
ويمكننا تشبيه هذه الفكرة بـ “خصلة الشعر” في الرأس، ولكن شتان بين نوعين من الشعر:
1. شعر يافع قوي: يستمد قوته من جسد صحيح وعمر فتي، فهو ثابت لا يتساقط.
2. شعر هزيل مريض: يتساقط مع أقل لمسة أو حكة، مما يدل على ذبول الجسد وزعزعة الصحة.
كذلك هي المناهج الفكرية؛ فسلامة المنهاج (الطبع الاجتماعي) تعتمد كلياً على سلامة الفكرة (خصلة الرأي) التي تدعو إليها. والقرآن الكريم يؤكد هذا الترابط بين الدعوة والاستقامة والمنهج الرباني في قوله تعالى: {فَلِذَٰلِكَ فَادْعُ ۖ وَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ ۖ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ ۖ وَقُلْ آمَنتُ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ مِن كِتَابٍ ۖ وَأُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ ۖ اللَّهُ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ ۖ لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ ۖ لَا حُجَّةَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ ۖ اللَّهُ يَجْمَعُ بَيْنَنَا ۖ وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ} [الشورى: 15].
إن استقامة النبي ﷺ كانت قائمة على إقامته لشريعة الله، وتحقيق العدل، والترفع عن اتباع الأهواء التي تضل عن سواء السبيل.
ثالثاً: دروس من التاريخ.. لماذا تنهار المناهج البشرية؟
لننظر إلى تجربة الاتحاد السوفيتي كعبرة تاريخية بالغة. لقد آمن الشيوعيون بفكرة (خصلة رأي) ماركسية لينينية، وحاولوا ترسيخها في عقول الشعوب بكل الوسائل، بدءاً من الثورة البلشفية والإطاحة بالحكم الملكي وصولاً إلى إقامة كيان شمولي استمر قرابة السبعين عاماً.
كانت الشيوعية تسري في عروق تلك المنظومة كعقيدة، لكن المصير النهائي كان الانهيار المروع. لماذا؟ لأن ذلك الإيمان كان هزيلاً، قائماً على بحر من التناقضات، ولم يوائم الفطرة البشرية ولا مقتضيات الواقع. إن هذا يؤكد أن سلامة المنهاج من سلامة الفكرة؛ فإذا كانت الفكرة معطوبة أو متصادمة مع الحق، فإن المنهاج الحضاري الناتج عنها سيحمل بذور فنائه في داخله، مهما بدا قوياً في بداياته.
رابعاً: البناء الروحي في فكر مالك بن نبي
لفهم كيف يُبنى المجتمع المسلم على أساس متين، نستحضر كلمات المفكر الجزائري الفذ مالك بن نبي -رحمه الله- حيث يقول: “والواقع أن القرآن قد وضع الضمير الإنساني بين حدين هما: الوعد والوعيد، ومعنى ذلك أنه قد وضعه في أنسب الظروف التي يتسنى له فيها أن يجيب على تَحَدٍّ روحي في أساسه. فالوعيد هو الحد الأدنى الذي لا يوجد دونه جهد مؤثر، والوعد هو الحد الأعلى الذي يصبح الجهد من ورائه مستحيلاً، وذلك حين تطغى قساوة التحدي على القوة الروحية التي منحها الإنسان”.
ويضيف موضحاً أن الضمير المسلم يتحرك بين هذين الحدين الفعّالين، واللذين تجسدهما الآيتان:
- أ- {فَلَا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ} [الأعراف: 99].
- ب- {إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِن رَّوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ} [يوسف: 87].
بين الخوف والرجاء، وبين الوعد والوعيد، تتشكل القوة الروحية للمسلم، مما يدفعه للعمل والجهد الفعال وفق غايات رسالته السامية.
خامساً: نحو خطاب دعوي يلامس الواقع
إن من أخطر ما يواجه شبابنا اليوم هو ذاك الفهم المغلوط الذي يصور الدين كأنه تنظير بحت معزول عن الواقع وتحدياته. هذا الفهم أدى ببعضهم إلى الصدود عن الإسلام والبحث عن بدائل واهية.
وهنا تقع المسؤولية الكبرى على عاتق الدعاة والمفكرين؛ إذ يجب الحذر من تقديم صورة “معطوبة” للدين. إن واجبنا هو:
1. تجديد الخطاب الدعوي: بأساليب منهجية صحيحة تبرز حقيقة الإسلام كمنهاج حياة متكامل.
2. فهم الواقع (الماجريات): كما أشار الدكتور إبراهيم السكران في كتابه القيد (الماجريات)، يجب على الداعية وطالب العلم أن يدرك حجم تأثير المستجدات الثقافية والسياسية والاجتماعية، وكيفية التعامل معها دون الغرق في سفاسف الأمور.
3. التقديم السليم للصورة الإسلامية: إظهار التوازن بين الروح والمادة، وبين الدنيا والآخرة.
خاتمة: العودة إلى رشد الاستقامة
إن رسالتنا ووجهتنا هي الإسلام، والإسلام ليس مجرد كلمات تُقال، بل هو حياة واتزان، والتزام ومنهج. إن تقدم الأمة وعودتها إلى ريادتها مرهون بعودتها إلى شريعة الله الناطقة بالحق، واقتراب شبابها من منهج ربهم اقتراباً يجمع بين العلم والعمل.
يا شباب الأمة، إن الآمال الدنيوية البحتة والشهوات غير المستقرة تطير من اليد أسرع من خروج الزفير من الصدر، أما الاستقامة على أمر الله فهي التي تُقيم الفرد وتُقيم الأمة. فلنكن ممن يعبدون الله على بصيرة، ولنجعل من استقامتنا إقامةً لصرح الإسلام العظيم في نفوسنا وفي مجتمعاتنا.
—
*بقلم: قاسم الحروب (بتصرف)*

اترك تعليقاً