مقدمة: الانهزام النفسي.. المعركة الصامتة في أعماق الأمة
إن المتأمل في واقع الأمة الإسلامية اليوم يدرك يقيناً أن الأزمات السياسية والاقتصادية والعسكرية التي نعيشها ليست إلا انعكاساً لهزيمة أعمق وأخطر، وهي الانهزام النفسي. هذا الداء العضال الذي تسلل إلى النفوس، فوهنت العزائم، وانكسرت الهمم، وغدا المسلم في كثير من الأحيان غريباً في وعيه، مهزوماً في وجدانه قبل أن يُهزم في ميدان النزال. إن الانهزام النفسي هو الآفة التي عطلت طاقات الأمة، وحالت بينها وبين استعادة دورها الريادي في قيادة البشرية، ولن تشرق شمس النصر من جديد إلا بتشخيص هذا الداء ومعرفة أسبابه، ثم الشروع في علاجها كخطوة مفصلية على طريق العودة إلى السيادة والقيادة.
ماهية الانهزام النفسي: حين تنكسر الروح
لا يمكننا مواجهة عدو لا نعرف كنهه، والانهزام النفسي ليس مجرد شعور عابر بالضيق، بل هو حالة مركبة من التراجع الروحي والعقلي، ويمكن تلخيص معناه في عدة أبعاد:
1. استصغار الذات أمام الآخر: هو ذلك الشعور الداخلي بالدونية، وانكسار النفس أمام الأعداء، حيث يرى المنهزم نفسه قزماً أمام عملاقة الباطل، فيستذل نفسه ويخضع لإرادة غيره بلا مقاومة.
2. هزيمة النفس أمام الهوى: هو استكانة النفس الخيرة المؤمنة أمام النفس الأمارة بالسوء، وغلبة الشهوة على العقل، والارتهان لنداءات الغريزة بدلاً من نداءات الوحي.
3. الاستخذاء أمام زينة الدنيا: هو ضعف القلب أمام بريق المادة وزخارف الحياة الفانية، والانكسار أمام بلاءات شياطين الإنس والجن، مما يجعل المرء يبيع ثوابته مقابل عرض زائل.
4. فقدان الثقة بالأهلية: هو شعور الإنسان الدائم بعدم قدرته على التغيير، أو عدم أهليته لحمل لواء الخير والمعروف، والهروب من المسئوليات الكبرى بدعوى العجز والضعف.
مظاهر الانهزامية في واقعنا المعاصر
تتجلى الانهزامية في سلوكيات الأفراد والمجتمعات بصور شتى، لعل من أبرزها:
- التنصل من المسئولية: يرفض المنهزم نفسياً أي دور قيادي أو تكليف له تبعات، ويسعى دائماً للتخلص من أي أعباء ولو كانت بسيطة، إيثاراً للسلامة الموهومة وهروباً من ضريبة العمل.
- القعود عن نصرة الدين: يبرر المنهزم قعوده عن الدعوة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بحجة تفشي الشر واستحالة الإصلاح، وهو في الحقيقة يشرعن لجبنه ويغلفه بغلاف الواقعية.
- الاستسلام للأهواء: الانغماس المفرط في الترف والتنافس على حطام الدنيا، حيث يصبح الاستهلاك والتمتع هو الغاية الوحيدة، مما يفقد الإنسان ميزته الأخلاقية وعزته الإيمانية.
- العزلة السلبية: الانكفاء على الذات واعتزال المجتمع ليس زهداً، بل هرباً من مواجهة المنكر، واختياراً لسبيل الراحة والدعة بدلاً من مدافعة الظلم والظالمين.
- اليأس من الغلبة: ظهور روح اليأس المطلق أمام قوة الباطل، وترديد مقولات مثل “الباطل يملك كل شيء ونحن لا نملك شيئاً”، وهو جهل مطبق بموازين القوى الإلهية.
- التبعية الثقافية: الانبهار المفرط بثقافات الآخرين، وتبني أجنداتهم الفكرية، والمسارعة في قبول طرائق معايشهم حتى لو تصادمت مع ثوابت الدين، مما يحقق للأعداء مآربهم بلا عناء.
- أولاً: مداهنة الظالمين: المنهزم يرى في عدوه منقذاً أو قوة لا تقهر، فيسارع في موالاته كما قال تعالى: {فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَى أَنْ تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ} [المائدة: 52].
- ثانياً: الهزيمة العسكرية والمادية: لا يمكن لجيش من المهزومين نفسياً أن يثبت في ميدان، فاحتلال العقول والقلوب يسبق دائماً احتلال الأرض، وهذا ما يفسر استباحة ثروات المسلمين في بقاع شتى.
- ثالثاً: انتهاك المقدسات: حين يرى الأعداء فينا روح الاستخذاء، يتجرأون على ديننا ورسولنا وقرآننا، لأنهم أمنوا العقوبة ولم يجدوا من يردعهم، وكما قيل:
- رابعاً: تمزق العمل الإسلامي: تؤدي الانهزامية إلى تشتت الجهود، ففريق المنهزمين يطرح دائماً وجهات نظر تثبيطية تصطدم مع أهل الهمم، مما يثير النزاع ويفشل المسير، قال تعالى: {وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَهْبَ ذهَبَ رِيحُكُمْ}.
المنهج الرباني في مواجهة الانهزام النفسي
لقد جاء القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة بالدواء الناجع لاستئصال شأفة الانهزام من قلوب المؤمنين، فالأمة المهزومة نفسياً لا يمكن أن تنتصر أبداً؛ لأن النصر حليف الجِد والمثابرة واليقين.
قال تعالى محذراً من الوهن: {وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} [آل عمران:139]. إنها دعوة للاستعلاء بالإيمان فوق الجراح والآلام. وقال سبحانه واضعاً شرط النصر: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ} [محمد:7].
وفي السنة النبوية، نجد التحذير الصريح من احتقار الذات، فقد روى ابن ماجه وغيره قوله صلى الله عليه وسلم: «لا يحقر أحدكم نفسه». وفي صحيح مسلم وصية جامعة للهمة: «احرص على ما ينفعك، واستعن بالله، ولا تعجز».
بل إن الشرع الحنيف ندب إلى ذكر فضل الله على العبد وإظهار مواطن القوة فيه إذا كان ذلك لخدمة الحق، كما فعل يوسف عليه السلام حين قال: {اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ}، وكما قال نبينا صلى الله عليه وسلم: «أنا سيد ولد آدم ولا فخر»، وقوله: «أما والله إني لأخشاكم لله وأتقاكم له».
وهذا الصحابي الجليل عبد الله بن مسعود يقول عن نفسه: “والله الذي لا إله غيره ما أنزلت سورة من كتاب الله إلا وأنا أعلم أين نزلت، ولا أنزلت آية من كتاب الله إلا أنا أعلم فيما أنزلت، ولو أعلم أحداً أعلم مني بكتاب الله تبلغه الإبل لركبت إليه”. وقد علق الإمام ابن حجر على هذا في (فتح الباري) بقوله: “وفي الحديث جواز ذكر الإنسان نفسه بما فيه من الفضيلة بقدر الحاجة، ويحمل ما ورد من ذم ذلك على من وقع ذلك منه فخراً أو إعجاباً”.
الفرق بين التواضع والانهزام النفسي
قد يخلط البعض بين التواضع المندوب والانهزام المذموم، والحق أن هضم النفس وتأديبها إنما يكون لكسر الكبر والعجب، أما الانكسار أمام الباطل فليس من الدين في شيء. لقد كان عمر بن الخطاب رضي الله عنه أشد الناس تواضعاً مع نفسه، ولكنه كان أشد الناس عزة بدينه، وهو القائل كلمته الخالدة: “نحن قوم أعزنا الله بالإسلام فمهما ابتغينا العز في غيره أذلنا الله”.
جذور الانهزام النفسي: لماذا ننهزم من الداخل؟
ثمة أسباب تربوية واجتماعية وثقافية تضافرت لتنتج هذا الجيل المنهزم، ومنها:
1. غياب التربية على المسئولية: إن إهمال تعويد الطفل على تحمل تبعات أفعاله وتشجيعه على المبادرة يقتل فيه الثقة بالنفس، ويجعله يشب محتقراً لقدراته، مهيأً للتبعية.
2. المنهج التحقيري في التربية: كثرة اللوم، والتأنيب المستمر، ووصف الأبناء بالفشل يؤدي إلى تدمير الاحترام الذاتي، وقد نهى القرآن عن ذلك في سورة الحجرات: {وَلَا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ}، وحذر النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: «المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يسلمه ولا يحقره».
3. البيئة المثبطة: إن العيش في وسط يقدس الاستكانة أو في محيط ثقافي منبهر بالغرب (المستغربين) ينقل عدوى الانهزام إلى الفرد بالتدريج.
4. الركون إلى الدنيا: حب الدنيا وكراهية الموت هو رأس كل خطيئة، ومن عاش لشهواته انكسر أمام من يملك مفاتيح تلك الشهوات، وذل المعصية لا يفارق صاحبه أبداً كما قال السلف.
5. ضعف اليقين بالله: عدم الثقة بموعود الله ومنهجه هو أصل الانهيار، فمن شك في أن الله ناصر دينه، تهاوت قواه النفسية أمام جبروت القوى المادية.
6. الغفلة عن العواقب: إن الكثيرين لا يدركون أن الانهزام النفسي هو بوابة لكل الهزائم الأخرى، ولو أدركوا فداحة الثمن لما ركنوا إلى الهون.
الآثار المدمرة للانهزام النفسي
إن عواقب هذه الآفة لا تقف عند حدود الفرد، بل تتعداها لتضرب كيان الأمة بأكمله:
تعدو الذئاب على من لا كلاب له …. وتتقي مربض المستأسد الضاري
خارطة الطريق: كيف نتخلص من الانهزام النفسي؟
إن العلاج يبدأ بالرجوع إلى الأصول واستنهاض مكامن القوة في الشخصية المسلمة:
1. المعرفة الحقيقية بالله: تربية النفوس على اليقين بأن القوة لله جميعاً، وأن ما أصابك لم يكن ليخطئك، وتصديق موعود الله بالتمكين.
2. استعادة الثقة بالمنهج: اليقين بأن الإسلام هو المنهج الوحيد القادر على قيادة البشرية نحو السعادة، والاعتزاز بالهوية الإسلامية دون خجل أو وجل.
3. تزكية النفس والزهد في الفاني: إخراج حب الدنيا من القلوب والتحرر من رق الشهوات، فالحر هو من تحرر من هواه.
4. الارتباط بسير العظماء: قراءة سير الصحابة والعلماء الثابتين الذين وقفوا في وجه الطغيان، لتستمد النفس من مواقفهم شموخاً وعزة.
5. العمل الدؤوب والاستعانة بالله: الانتقال من مربع التنظير إلى مربع التأثير، والحرص على نفع الأمة في كل ثغر، مع دوام الضراعة إلى الله أن يصرف عنا ذل المعصية ووهن النفس.
ختاماً، إن الانهزام النفسي سجن وهمي صنعناه بأيدينا، ومفتاحه في الرجوع إلى عزة الإيمان، فالله الله في نفوسكم، لا تتركوا للوهن إليها سبيلاً، واذكروا دائماً قول ربكم: {وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ}.

اترك تعليقاً