في عصر يتسم بالتطور المتسارع لتقنيات الذكاء الاصطناعي، تلاشت الحدود الفاصلة بين الحقيقة والتزييف، مما وضع البشرية أمام تحديات أمنية غير مسبوقة. لم يعد التهديد النووي محصوراً في الحسابات العسكرية التقليدية أو الصواريخ العابرة للقارات، بل امتد ليشمل "خوارزميات" قد تسيء تقدير الموقف، أو مقاطع فيديو "تزييف عميق" قد تدفع القادة لاتخاذ قرارات كارثية بناءً على أوهام رقمية.
تسلط "إيرين دومباتشر"، الباحثة في مجال الأمن النووي بمجلس العلاقات الخارجية الأمريكي، الضوء في مقال لها بمجلة "فورين أفيرز" على هذا الخطر الوجودي، محذرة من أن التكنولوجيا التي نطورها لتسهيل حياتنا قد تكون هي نفسها المفتاح لنهاية العالم.
دروس من التاريخ: عندما أنقذت الفطرة البشرية الكوكب
قبل الغوص في مخاطر الذكاء الاصطناعي، تذكرنا دومباتشر بحادثة شهيرة من عام 1983، حين أعطت منظومة إنذار مبكر سوفياتية إنذاراً خاطئاً بهجوم نووي أمريكي وشيك. في تلك اللحظة الحرجة، لم يكن القرار بيد الآلة، بل بيد الضابط "ستانيسلاف بيتروف"، الذي شكك في دقة النظام واعتبره عطلاً فنياً.
لو اعتمد بيتروف على مخرجات الآلة دون تفكير، لرد الاتحاد السوفياتي بضربة نووية مدمرة، ولتغير وجه التاريخ إلى الأبد. هذه الحادثة تثبت أن "العامل البشري" هو صمام الأمان الأخير والوحيد في مواجهة هشاشة الأنظمة التقنية.
التزييف العميق: السلاح الذي قد يخدع القادة
مع دخول الذكاء الاصطناعي الساحة العسكرية، برز خطر "التزييف العميق" (Deepfake) كأحد أكثر الأدوات تضليلاً. فبإمكان هذه التقنية محاكاة أصوات وصور القادة السياسيين بدقة مذهلة، مما يجعل من الصعب التمييز بين الحقيقة والزيف في أوقات الأزمات.
أمثلة واقعية على مخاطر التضليل الرقمي:
- فيديو زيلينسكي (2022): انتشر مقطع مفبرك للرئيس الأوكراني يدعو فيه جنوده للاستسلام.
- إعلان بوتين (2023): مقطع زائف أظهر الرئيس الروسي وهو يعلن التعبئة العامة الشاملة عبر التلفزيون الرسمي.
في سياق توتر نووي، قد تؤدي مثل هذه المقاطع إلى إقناع القادة بأن هجوماً قد بدأ بالفعل، خاصة في دول مثل الولايات المتحدة، حيث يمتلك الرئيس سلطة منفردة لإصدار أمر نووي في غضون دقائق معدودة من رصد أي تهديد.
معضلة "الهلوسة" ونقص البيانات
تشير دومباتشر إلى ظاهرة تقنية خطيرة تُعرف بـ "هلوسة الذكاء الاصطناعي"، حيث تقوم الخوارزميات باستنتاج أنماط أو تهديدات غير موجودة بناءً على بيانات مغلوطة أو ناقصة. وتكمن المشكلة الكبرى في أن أنظمة الذكاء الاصطناعي تحتاج إلى كميات هائلة من البيانات للتدريب، وبما أن الحروب النووية (لحسن الحظ) لم تحدث، فإن تدريب هذه الأنظمة على اكتشاف الهجمات النووية بدقة هو أمر شبه مستحيل تقنياً.
استراتيجيات المواجهة: إبقاء "الإنسان" في دائرة القرار
رغم التوجه الأمريكي لدمج الذكاء الاصطناعي في وزارة الدفاع، إلا أن هناك إجماعاً متزايداً على ضرورة وضع "خطوط حمراء" لا يمكن تجاوزها. وتتلخص أبرز التوصيات في الآتي:
- حظر الأتمتة الكاملة: يجب ألا تُفوض الآلات أبداً لاتخاذ قرار استخدام السلاح النووي.
- حماية أنظمة القيادة والسيطرة: إبقاء أنظمة الإنذار المبكر بعيدة عن تدخل الخوارزميات التي قد تسيء تفسير البيانات.
- التشكك المنهجي: تدريب صانعي القرار على التعامل بحذر مع المعلومات الاستخباراتية المولدة بواسطة الذكاء الاصطناعي وتتبع مصادرها بدقة.
- تعزيز السيطرة البشرية: ضمان أن القرارات المصيرية تعتمد فقط على بيانات مؤكدة وملموسة بعيداً عن ضجيج "الوهم الرقمي".
خاتمة: بين الكفاءة العسكرية والفناء البشري
إن الإغراءات التي يقدمها الذكاء الاصطناعي لتعزيز كفاءة الجيوش لا ينبغي أن تعمينا عن مخاطره الوجودية. فالتحدي الحقيقي اليوم ليس فقط في منع انتشار الأسلحة النووية، بل في منع "خوارزمية" أو "فيديو مفبرك" من إشعال فتيل حرب لا رابح فيها. في نهاية المطاف، يجب أن يبقى العقل البشري هو صاحب الكلمة الأخيرة، لأن الآلة، مهما بلغت درجة ذكائها، تفتقر إلى الحكمة والقدرة على تقدير قيمة الحياة البشرية.


اترك تعليقاً