الزهد المبتدع والرهبانية: كيف يهدم الجهل الدين والدنيا؟

# الزهد الذي يهدم ولا يبني: قراءة في فقه الإصلاح عند ابن الجوزي

الحمد لله الذي أنار بالعلم بصائر العارفين، والصلاة والسلام على مبعوث الرحمة الذي جاء بالحنفيّة السمحة، فتمم مكارم الأخلاق وشرع لنا من الدين ما يصلح الروح والبدن، وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

إن المتأمل في أحوال السالكين يجد أن الطريق إلى الله قد تكتنفه غيوم من الفهم السقيم، حيث يظن البعض أن القرب من الخالق يستلزم القطيعة مع الخلق، وأن عمارة الآخرة لا تكون إلا بخراب الدنيا. ومن هنا، انبرى الإمام المحقق ابن الجوزي -رحمه الله- في كتابه الفذ “صيد الخاطر” ليفند هذه الأوهام، واصفاً إياها بأنها زهد يهدم الدين والدنيا معاً.

المشهد الأول: خلوة الرصافة وصدمة الواقع

ينقل لنا الإمام ابن الجوزي تجربة شخصية عميقة الأثر، حين قصد يوماً جامع الرصافة طلباً للخلوة والسكينة. هناك، وبين جنبات ذلك المكان التاريخي، وجد أقواماً قد انقطعوا عن العالم، وجاوروا المسجد لعقود. يسرد الإمام لقاءه بأحدهم، والذي قضى في عزلته قرابة أربعين سنة، لكن الصورة لم تكن مشرقة كما يتخيلها البعض؛ فقد رآه في بيت يملؤه الدرن والوسخ، حابساً نفسه عن النكاح، منقطعاً عن معالي الأمور.

في البداية، مالت النفس البشرية بطبعها إلى تحسين هذا الفعل، وظنت أن هذا هو غاية الزهد والبعد عن الدنيا الغرارة. ولكن، سرعان ما تدخل “العلم” لينير الدرب، فالعلم هو الميزان الذي توزن به الأحوال، وهو الحاكم على العواطف والخواطر.

مخاطر العزلة المبتدعة وآثارها النفسية والبدنية

قسم ابن الجوزي هؤلاء المنقطعين إلى صنفين، مفصلاً في مخاطر الصنف الأول الذين جاهدوا أنفسهم في الصبر على هذه الأحوال ظناً منهم أنها القربة الكبرى. ويرى الإمام أن هذه العزلة تورث مفاسد عظيمة، منها:

1. فوات الفضائل الاجتماعية والشرعية: إن المنعزل تفوته بركة مخالطة أهل العلم، وحرمان نفسه من طلب الولد الذي هو استمرار للنسل وذخر للآخرة، كما يحرم نفسه من نفع الخلق وانتفاعه بمجالسة أهل الفهم.
2. تبدل الطبع البشري: إن الانفراد الطويل يولد حالة تشبه حالة الوحوش، حيث ينفر الإنسان من بني جنسه ويؤثر الوحدة المطلقة، مما يؤدي إلى يبس الطبع وسوء الخلق.
3. الآثار الصحية والعقلية: يشير الإمام بدقة طبية ونفسية إلى أن حبس الفضلات الطبيعية في البدن قد يولد سمية تفسد البدن والعقل، كما أن الخلوة بلا علم تورث الوسوسة والخيالات.
4. الغرور والكرامات المزيفة: قد يظن هذا المنعزل، لجهله بمقامات العلم، أنه وصل إلى رتبة الأولياء، فيغتر بما يراه من خيالات شيطانية يظنها كرامات رحمانية، بينما هو في الحقيقة يقع في ورطات الضلال بألطف وجه وأخفاه.

موقف الشرع من التبتل والرهبانية

إن الشرع الحكيم جاء لتهذيب النفس لا لقتلها، ولتوجيه الشهوة لا لاستئصالها. وقد استند ابن الجوزي في إنكاره لهذه المسالك إلى نصوص شرعية واضحة، منها:

  • النهي عن المبيت وحيداً: حيث نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يبيت الرجل وحده، لما في ذلك من استيحاش وفتح لأبواب الشيطان.
  • النهي عن التبتل: وهو الانقطاع التام عن النكاح بقصد العبادة، وقد رد النبي صلى الله عليه وسلم التبتل على من أراده من الصحابة.
  • النهي عن الرهبانية: التي هي من خفي خدع إبليس، حيث يظن العبد أنه يتقرب إلى الله بما حرمه الله عليه من الطيبات.

أما الضرب الثاني من المنقطعين الذين ذكرهم الإمام، فهم المشايخ الذين فنوا وانقطعوا ضرورة لعدم وجود مأوى لهم، وهؤلاء في مقام الزمنى (أصحاب الأعذار)، لكن العتب يقع على من اختار هذا الطريق وهو قادر على الكسب والعلم والعمل.

فلسفة النكاح والمطاعم في الفكر الإسلامي

حين اعترضت “النفس” على كلام الإمام، متهمة إياه بإيثار المستحسنات والمطاعم، رد عليها رد العلماء الفاهمين لمقاصد الشريعة. أوضح ابن الجوزي أن المقصود من النكاح ليس مجرد اللذة، بل هو طلب الولد، وشفاء النفس بإخراج الفضلات المؤذية التي يشغل احتقانها الفكر والقلب.

وضرب الإمام مثالاً رائعاً بالقاضي، حيث نأمره بالأكل قبل الحكم، وننهاه عن الحكم وهو غضبان أو حاقن (محتبس البول)، لأن انشغال البدن بحاجاته الطبيعية يشوش على العقل دقة التصور وإصدار الأحكام. وكذلك النفس، إذا استوفت حظها من المباحات، فرغت للعبادة والتدبر، تماماً كما تُعلف الناقة في السفر لتستطيع إكمال المسير.

أما المطاعم، فالمؤمن لا يطلبها لذاتها كالحيوان، بل لإصلاح “ناقة البدن” لتجمع همتها نحو الغرض الأسمى، وهو عبادة الله وعمارة الأرض.

القدوة في حياة الأنبياء والصالحين

لم يكن الزهد في حياة أكمل الخلق -الأنبياء عليهم السلام- يعني الانقطاع عن النساء أو الطيبات. فقد اختار النبي صلى الله عليه وسلم لنفسه عائشة وزينب وصفية رضي الله عنهن، وكان يخطب المرأة إذا وصفت له بالصلاح والحسن. وكذلك كان حال علي بن أبي طالب رضي الله عنه، وحال الأنبياء من قبل كداود وسليمان عليهما السلام.

فمن ادعى أن هؤلاء الأكابر قد نقص زهدُهم بميلهم للمباحات، فقد ادعى النقص على الكاملين، وما ذاك إلا لنقص في فهمه هو. ويستشهد الإمام بسفيان الثوري، وهو من أئمة الزهد والورع، الذي كان يحسن مطعمه في سفره ويقول: “إن الدابة إذا لم تحسن إليها لم تعمل”.

العلم هو الغاية والوسيلة

يخلص ابن الجوزي إلى حقيقة كبرى، وهي أن العلم هو أفضل الصفات وأشرف العبادات. العلم هو الذي يأمر بالمصالح وينطق بالنصائح، وهو الذي يميز بين الزهد المشروع والزهد المبتدع. إن نفع العالم يتعدى للناس جميعاً، بينما زهد الجاهل لا يتعدى عتبة بابه.

وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم لعلي رضي الله عنه: “لأن يهدي الله بك رجلاً خير لك مما طلعت عليه الشمس”. وهذا الفضل لا يناله المنعزل في صومعته، بل يناله العالم المخالط للناس، الصابر على أذاهم، والمعلم لجهالهم.

خاتمة: العزلة الحقيقية

إن العزلة المطلوبة في الشرع ليست هي الهروب من المسؤوليات أو ترك المباحات، بل هي “عزلة العالم عن الشر فحسب”. إنها عزلة القلب عن التعلق بغير الله، مع بقاء الجسد في ميادين العلم والعمل والكسب ونفع الخلق.

فكم فوتت العزلة الجاهلة من علم يصلح به أصل الدين، وكم أوقعت في بلية هلك بها الدين والدنيا. فليكن زهدنا مقتدياً بسنة نبينا، وليكن عملنا مؤسساً على بصيرة من العلم، فالله الموفق والهادي إلى سواء السبيل.

المصدر: طريق الإسلام

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *