# “الصفر اللغوي” بين بريق المصطلحات وحقائق البيان: قراءة تأصيلية
الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب ولم يجعل له عوجاً، وجعله بياناً للناس وهدى وموعظة للمتقين، والصلاة والسلام على أفصح من نطق بالضاد، وعلى آله وصحبه الذين فقهوا أسرار البيان فكانوا خير أمة أخرجت للناس. أما بعد:
لقد شاع في الآونة الأخيرة، وعبر منصات الحوار والبرامج الثقافية، حديثٌ مستفيض عما سُمي بـ “الصفر اللغوي”، وهو مصطلح طرحته الدكتورة سناء البياتي، واحتفى به البعض أيما احتفاء، حتى وصفوه بأنه “ثورة” في فهم اللغة العربية، ونظرية لغوية جديدة تقلب الموازين. وإننا إذ نقف أمام هذه الهالة من الانبهار، لزاماً علينا أن نزن الأمور بميزان العلم، ونعرضها على محك التراث الإسلامي الأصيل، لنعلم: أهي حقاً ثورة معرفية، أم أنها مجرد إعادة تسمية لمفاهيم استقرت في وجدان علمائنا منذ قرون؟
رحلة المعرفة: من الحواس إلى النطق
إن المتأمل في طبيعة الإدراك الإنساني يدرك أن المعارف لا تهبط على المرء دفعة واحدة، بل هي رحلة تبدأ من منافذ الحس التي وهبنا الله إياها؛ من سمع وبصر وشم ولمس. هذه المدركات تتحول في باطن الإنسان إلى “صور ذهنية”، فلا يمكن للإنسان أن يفكر في مجردات مطلقة، بل لابد من تمثل صورة ما، فإن لم تكن موجودة في ذاكرته، استحث خياله ليصنعها.
بعد تشكل الصورة، تبدأ مرحلة التفكير والتدبر، ومن ثم ينعقد “العزم” في النفس إيجاباً أو سلباً. كل هذه العمليات المعقدة تحدث في كينونة الإنسان الداخلية، في عالم الغيب الذي لا يطلع عليه إلا الله. فإذا ما اشتد هذا العزم، تولد عنه قول باللسان أو فعل بالجوارح. إذن، فالقول ليس إلا ثمرة أخيرة لسلسلة تبدأ بالإدراك، فالتصور، فالتفكير، فالعزم الباطني.
عبقرية السلف في تقسيم أفعال القلوب والجوارح
إن ما يُطرح اليوم كـ “اكتشاف”، قد بسطه علماؤنا الأجلاء في كتب العقيدة واللغة بوضوح تام. فقد قسم علماء العقيدة -رحمهم الله- أحوال الإنسان وأفعاله إلى ثلاث مراحل دقيقة:
1. قول القلب: وهو ما يتضمن الإدراك، وما يتبعه من تصور وتدبر للصور الذهنية.
2. عمل القلب: وهو ما ينعقد عليه الضمير من عزم وتصميم على الفعل أو الترك.
3. فعل الجوارح: وهو المظهر الخارجي، سواء كان نطقاً باللسان أو حركة بالأركان.
ولم يكن علماء اللغة بمنأى عن هذا الفهم، بل قرروا أن العملية اللغوية تبدأ بالتقاط المعنى وصياغته داخلياً، وتتأثر هذه الصياغة بحال الملتقط؛ فصياغة الأديب غير صياغة النحوي، والسياسي يغلف المعنى بغير ما يغلفه العامي، ثم يأتي النطق ليكون الوعاء الأخير لهذا المخاض الداخلي.
من النحو إلى البلاغة: حراسة النص الشريف
لقد نشأ علماء العربية في ظلال الوحيين (الكتاب والسنة)، وكانت غايتهم الأسمى حماية النص الشرعي من اللحن والتحريف. بدأت الرحلة بضبط الألفاظ وحركاتها الإعرابية لتوافق المعاني المرادة، فكان علم النحو. ولكن النفس التواقة لم تقنع بضبط الحركة، بل غاصت في أسرار النظم، فجاء أهل البلاغة، وعلى رأسهم إمام البلاغيين عبد القاهر الجرجاني، ليبينوا للناس “دلائل الإعجاز”.
لقد احتدم الجدال طويلاً حول العلاقة بين “اللفظ” و”المعنى”، وهي المنطقة ذاتها التي تحاول الدكتورة سناء الوقوف فيها اليوم. والحقيقة التاريخية تقول إن هذا الجدال لم ينقطع، بل امتد حتى العصر الحديث، حيث شارك فيه الأديب والمفكر سيد قطب في ريعان شبابه. لقد قاده التفكير العميق في علاقة اللفظ بالمعنى، مستلهماً من فكر الجرجاني، إلى وضع كتابه الفذ “التصوير الفني في القرآن الكريم”.
إن ما نراه اليوم من حديث عن “المشاهد الحية” أو “الفيديو” في القرآن، هو في جوهره استقاء من معين سيد قطب الذي ارتوى بدوره من عبق البيان القرآني وتراث الجرجاني. فالدكتورة سناء، وإن قالت إنها قادمة من عند الجرجاني، إلا أن بصمات سيد قطب ومنهجه في التصوير الفني واضحة في كل ما تطرحه.
حقيقة النفس البشرية: حين يخالف الظاهرُ الباطنَ
في خضم الحديث عن المراحل اللغوية، يغفل البعض عن حقيقة قرآنية كبرى، وهي أن المراحل (إدراك، تصور، عزم، نطق) قد لا تسلم لبعضها البعض اضطراراً. فالإنسان ليس آلة صماء، بل هو كائن تحركه الشهوات والأهواء والموانع النفسية.
لقد وصف الله الإنسان في كتابه بصفات سلبية كثيرة، فهو (كفور، كنود، هلوع، جزوع، منوع، قتور، قنوط، ظلوم، مختال، فخور، خصيم). هذه الصفات تجعل ما يحتدم في الداخل (المعنى واليقين) قد يخالف ما يظهر في الخارج (اللفظ والفعل) عن عمد وبغي. وتأملوا في قول الله تعالى عن جحود الكافرين رغم يقينهم: ﴿وَجَحَدُوا۟ بِهَا وَٱسْتَيْقَنَتْهَآ أَنفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا﴾ (النمل: 14). فاليقين موجود في الباطن، لكن النطق بالفعل والجحود جاء مخالفاً له بسبب الظلم والعلو.
وكذلك قوله سبحانه: ﴿وَمَا ٱخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا ٱلَّذِينَ أُوتُوهُ مِنۢ بَعْدِ مَا جَآءَتْهُمُ ٱلْبَيِّنَٰتُ بَغْيًۢا بَيْنَهُمْ﴾ (البقرة: 213). هنا نرى أن العلم والبينة لم يمنعا الاختلاف، لأن “البغي” وقف حائلاً بين العلم وبين القول السديد. لذا، كان الأحرى بأهل اللغة ألا يكتفوا بالحديث عن مراحل تكوين القول، بل أن يتحدثوا عن “الموانع” التي تعترض سبيل الاستقامة بين الباطن والظاهر.
نقد مفهوم “الصفر اللغوي”: هل هو حقاً نظرية؟
بناءً على ما سبق، يبرز السؤال الجوهري: ما الجديد الذي قدمته تسمية “الصفر اللغوي”؟
الحقيقة العلمية تشير إلى أن كل ما حدث هو إقحام مصطلح رياضي على حقل لغوي وإيماني. لقد كانت الدكتورة سناء محبة للرياضيات، فأسقطت منطق الأرقام على منطق البيان. رأت أن المراحل التي يمر بها القول تشبه تدرج الأرقام من السالب إلى الموجب، واعتبرت “النطق” هو “الصفر” الفاصل بين الباطن (المستتر تحت الصفر) والخارج (فوق الصفر).
وهنا مكمن الخلل؛ فالصفر في الرياضيات منطقة محايدة تماماً، لا علاقة له بما قبله ولا بما بعده، هو علامة على نفسه فقط. أما النطق الإنساني، فليس صفراً أبداً! إنه فعل إيجابي، ومرتبط ارتباطاً عضوياً بكل ما سبقه من إدراك وعزم، سواء وافقه أو خالفه. المراحل اللغوية متماسكة ومتصلة، وليست منفصلة بـ “صفر” فاصل.
إن “الصفر اللغوي” لا يرتقي ليكون نظرية تفسيرية، لأنه لا يرصد غائباً لم يفسره الأقدمون، ولا يقدم أداة معرفية جديدة لفهم النص. هو مجرد “تعريف إجرائي” متأثر بخلفية رياضية، والحق يقال: إننا في غنى عنه إذا ما عدنا إلى أصولنا البيانية.
الخاتمة: العودة إلى معين البيان القرآني
يا عباد الله، إن المبهر حقاً هو لغة القرآن الكريم، ذاك البيان الذي لا تنقضي عجائبه، ولا يشبع منه العلماء. كل جيل يغرف من بحره قدر طاقته، ويظل القرآن كما هو، معجزاً في نظمه، وباهراً في تصويره.
إن ما طرحته الدكتورة سناء من مشاهد حية في القرآن، هو صدى لفتح الله الذي ساقه للأستاذ سيد قطب، حين بين أن القرآن يعرض المشاهد وكأنها شاخصة أمام العين. هذا هو الإعجاز الحقيقي، أن يلامس النص شغاف القلب ويحرك كوامن النفس.
فلنعتز بتراثنا، ولنعلم أن التجديد الحقيقي لا يكون بمجرد تغيير المسميات أو استعارة مصطلحات من علوم أخرى لا تناسب طبيعة لغتنا الشريفة، بل يكون بالتعمق في فهم أسرار هذا الكتاب العظيم، ومجاهدة النفس لتستقيم أقوالنا وأفعالنا مع ما استقر في قلوبنا من إيمان.
نسأل الله أن يعلمنا ما ينفعنا، وينفعنا بما علمنا، وأن يجعلنا من أهل القرآن الذين هم أهله وخاصته. وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

اترك تعليقاً