مقدمة: في البحث عن كنه العزة
إن المتأمل في أحوال الناس اليوم، وفي صراعاتهم المحمومة نحو التميز والسيادة، يجد خلطاً كبيراً في المفاهيم؛ حيث التبست القيم، واختلت الموازين، فصار الكثيرون يطلبون العزة في غير مظانها، ويبحثون عن الكرامة في مسالك الهوان. يظن البعض أن العزة هي في الغلبة المادية، أو في القدرة على إخضاع الآخرين، أو في امتلاك الصوت الأعلى الذي يصمّ الآذان ويفرض رأيه بالقوة، حتى وإن كان هذا الرأي مجانباً للصواب ومجافياً للحقيقة.
إن هذا الفهم القاصر للعزة هو الذي أورد البشرية موارد الهلاك، وجعل من الظلم سمةً يتفاخر بها البعض تحت مسميات القوة والدهاء. ولكن، حين نعود إلى المنبع الصافي، إلى كتاب الله عز وجل، نجد أن العزة لها وجه آخر تماماً، وجه يشرق بالتقوى، ويتجمل بالحق، ويتواضع للخالق.
الميزان الإلهي: أكرمكم أتقاكم
يقرر القرآن الكريم حقيقةً كبرى، تقلب موازين الجاهلية قديماً وحديثاً، وتضع الإنسان أمام حقيقته المجردة بعيداً عن ألقابه، وأمواله، وأنسابه، وسطوته. يقول الله تبارك وتعالى في محكم تنزيله: {إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ}.
هذه الآية العظيمة هي الدستور الذي يجب أن تُقاس به قيمة كل إنسان. فالعزة الحقيقية ليست في الانتصار الدنيوي الزائل، ولا في التصدر في المجالس، ولا في كسب المعارك الجدلية ولو بالباطل. إنما العزة في تلك الصلة الخفية بين العبد وربه، في تلك التقوى التي تسكن القلب فتنعكس على الجوارح سكينةً ووقاراً وصدقاً.
إن القدرة على الوقوف مع الحق، والانتصار له، حتى لو كان ذلك على حساب النفس ومصالحها الضيقة، هي الذروة العليا للعزة. فالإنسان التقي هو الذي تحرر من عبودية هواه، فلم يعد يخشى في الله لومة لائم، ولم يعد يبالي برضا الناس إذا كان في ذلك سخط الخالق. هنا فقط، يذوق العبد طعم الكرامة التي لا تستطيع أي قوة أرضية أن تنزعها منه.
العزة بالإثم: تشريح للنفس المريضة
في مقابل العزة الإيمانية الصادقة، يكشف لنا القرآن الكريم نموذجاً خطيراً من نماذج الانحراف النفسي والأخلاقي، وهو نموذج الإنسان الذي يخلط بين الكبرياء وبين التمادي في الباطل. يقول الله تعالى: {وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ}.
تأمل في قوله تعالى “أخذته”؛ فهي توحي بأن هذا النوع من العزة الزائفة يتملك الإنسان، ويحاصره، ويقيده، فلا يتركه يفكر بعقله أو يراجع ضميره. إنها عزة مريضة، تدفع صاحبها إلى الهروب للأمام كلما واجهه الحق. فبدلاً من أن يراجع نفسه عند سماع النصيحة، وبدلاً من أن يثوب إلى رشده عند التذكير بالله، يثور غضبه، وتنتفخ أوداجه، ويرى في النصيحة إهانةً لشخصه، وفي التذكير بالحق تقليلاً من شأنه.
هذه “العزة بالإثم” هي التي تجعل الظالم يتمادى في ظلمه، والكاذب يزيد في كذبه، والبهات يمعن في افتراءاته. إنها آلية دفاعية نفسية فاشلة، يحاول من خلالها الإنسان حماية صورته المهتزة أمام نفسه وأمام الناس، فيلبس ثوب المظلوم، ويتقمص دور الضحية، ويحاول إظهار نفسه بمظهر النقاء والصلاح، بينما هو في حقيقته يحارب الحق خوفاً من الانكشاف.
سيكولوجية التبرير والهروب من الحق
نرى في واقعنا المعاصر صوراً متكررة لهذا النموذج؛ شخص إذا نُصح أو ذُكّر بالله ثار غضبه، لا لأن النصيحة باطلة، بل لأن نفسه تأبى أن تُدان. إن الاعتراف بالخطأ يتطلب شجاعةً لا يمتلكها إلا الأقوياء بالحق، أما الضعفاء في نفوسهم، فيلجأون إلى تزييف الواقع، وإفساد العلاقات، وظلم الأبرياء، فقط ليحافظوا على تلك الصورة الزائفة التي رسموها لأنفسهم.
إن هذا المسكين يظن أنه يحافظ على كرامته حين يرفض الاعتراف بذنبه، وما درى أن عزة المرء تقواه. إن التمادي في الخطأ هو الهوان بعينه، والاعتصام بالباطل هو السقوط الحقيقي. فمن جعل هواه إلهه، لن يرضى إلا بانتصار دنيوي زائف، ولو كان ثمنه مخاصمة الله عز وجل قبل مخاصمة الخلق.
ثمار التقوى في الدنيا والآخرة
إن الطريق إلى العزة الحقيقية يبدأ بخطوة واحدة: التواضع للحق. فمن اتقى الله رفعه الله، ومن تواضع للحق أعزه الله، ومن اعترف بذنبه كان ذلك بداية صلاحه لا سقوطه.
لماذا التقوى هي مصدر العزة؟
1. الاستغناء بالله: المتقي لا يرى أحداً فوقه إلا الله، فلا يذل نفسه لمخلوق من أجل عرض زائل.
2. السكينة الداخلية: التقوى تمنح الإنسان سلاماً داخلياً، فلا يحتاج إلى صراخ أو ضجيج ليثبت وجوده.
3. وضوح الرؤية: التقوى نور يقذفه الله في القلب، يميز به العبد بين العزة والغرور، وبين الحق والباطل.
4. القوة في المواقف: الشجاعة الحقيقية هي شجاعة الاعتراف بالخطأ وتصحيحه، وهذا لا يقدر عليه إلا أهل التقوى.
إن النصر الذي يُبنى على الظلم وتشويه الحقائق هو نصر لا يدوم، وعزة لا تثبت؛ لأنها لم تُبنَ على أساس من التقوى. ومن لم يكن الله معه، فلن تنفعه كل صور القوة المادية، ولن تحميه حصونه من سخط الله وهوان الناس عليه في نهاية المطاف.
العزة في غلبة النفس لا غلبة الناس
يجب على كل عاقل أن يدرك أن العزة ليست في أن نغلب الناس، بل في أن نغلب أنفسنا وأهواءنا. ليست العزة في تبرير الخطأ وليّ أعناق النصوص لتوافق رغباتنا، بل في الشجاعة على تصحيح المسار والرجوع إلى الحق.
إن الإنسان الذي يستطيع أن يقول “أخطأت” حين يخطئ، و”أستغفر الله” حين يزل، هو الإنسان القوي حقاً. هو الذي استعلى على كبريائه الزائف، وانتصر لربه على نفسه. هذا هو الذي يستحق وصف “العزة”، لأنه استمدها من العزيز الجبار، لا من مدح المادحين أو خوف الخائفين.
الخاتمة: العاقبة للمتقين
في نهاية المطاف، تذهب كل الصراعات، وتزول كل المناصب، وتبقى حقيقة واحدة خالدة سجلها القرآن الكريم: {وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ}.
إن العزة الحقيقية هي التي تصحب العبد في قبره، وتقف معه بين يدي ربه، وتكون له نوراً على الصراط. أما العزة بالإثم، فهي حسرة وندامة، وظلمات بعضها فوق بعض. فاجعل تقوى الله شعارك، والوقوف مع الحق دثارك، واعلم أنك بقدر تقواك تكون عزتك، وبقدر تواضعك لله تكون رفعتك.
اللهم اجعلنا من المتقين الذين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون، وأعزنا بطاعتك، ولا تذلنا بمعصيتك، واجعل عاقبتنا إلى خير في الدنيا والآخرة.

اترك تعليقاً