العلاقات الإيرانية الأمريكية: رهان جيوسياسي خطير يضع المنطقة على حافة الهاوية

العلاقات الإيرانية الأمريكية: رهان جيوسياسي خطير يضع المنطقة على حافة الهاوية

صراع الإرادات: العلاقات الإيرانية الأمريكية ولعبة البوكر العسكرية

تتصدر العلاقات الإيرانية الأمريكية واجهة المشهد السياسي العالمي، حيث تعيش المنطقة حالة من حبس الأنفاس بانتظار مآلات التصعيد العسكري المتسارع. وفي تحليل نشرته صحيفة “التايمز” البريطانية، وصف المؤرخ بيتر فرانكوبان المشهد الحالي بأنه “لعبة بوكر جيوسياسية” في أخطر صورها. التحركات العسكرية الأمريكية الأخيرة، التي شملت نشر مقاتلات “إف-35” الشبحية وطائرات النقل الاستراتيجي “سي-17″، بالإضافة إلى تعزيز قاعدة “دييغو غارسيا” في المحيط الهندي، تعكس جدية واشنطن في ممارسة أقصى درجات الضغط على طهران.

ويرى المحللون أن هذا الحشد العسكري يهدف إلى لفت الأنظار وإجبار النظام الإيراني على الاختيار بين مسارين أحلاهما مر: التفاوض بشروط قاسية أو مواجهة ضربات عسكرية محتملة. ومع تأثر منظومة الدفاع الإيرانية بضربات سابقة في يونيو 2025، يبدو أن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب يسعى لانتزاع تنازلات كبرى تتعلق بوقف تخصيب اليورانيوم تماماً، وهو مطلب يمثل خطاً أحمر لدى القيادة العليا في طهران، مما يجعل فرص الحلول الدبلوماسية محفوفة بالتعقيدات الأيديولوجية والسياسية.

لماذا يصمد النظام الإيراني أمام التوقعات الغربية بالانهيار؟

في مقابل نبرة التصعيد العسكري، طرحت صحيفة “التلغراف” رؤية مغايرة تتعلق بصلابة الجبهة الداخلية الإيرانية. يشير الكاتب جوزيف بافيت إلى أن القراءات الغربية غالباً ما تخطئ في تقدير استقرار النظام، واصفة إياه بـ “الدولة الفاشلة” بينما الواقع المؤسسي يشير إلى خلاف ذلك. النظام الإيراني ليس مجرد أداة قمعية، بل هو هيكل متجذر بعمق عبر الحرس الثوري وشبكات البنية التحتية والولاءات الدينية القائمة على عقيدة “ولاية الفقيه”.

ويوضح التحليل أن استمرارية الدولة في تقديم الخدمات الأساسية مثل التعليم والنقل، رغم الضغوط الاقتصادية الخانقة، يمنحها مرونة تفتقدها الأنظمة المنهارة فعلياً. كما أن فكرة أن الشعب الإيراني “ليس لديه ما يخسره” هي فكرة مغلوطة؛ فكثير من المواطنين يخشون ضياع الاستقرار النسبي أو الانزلاق نحو نماذج الفوضى التي شهدتها دول الجوار، مما يجعل الاحتجاجات الشعبية، رغم شجاعتها، تواجه جداراً صلباً من المؤسسات المستمرة في العمل.

شبح الحرب الأهلية: هل تخرج الأمور عن السيطرة؟

من جانبها، حذرت صحيفة “الإيكونومست” من سيناريو أكثر سوداوية يتمثل في اندلاع حرب أهلية مدمرة. يشير المقال إلى أن الفجوة بين النظام والمعارضة قد وصلت إلى مرحلة اللاعودة، حيث يتبادل الطرفان الاتهامات بالاستعانة بمرتزقة وقوى خارجية. في ظل تحول نظام خامنئي إلى “دولة أمنية مشددة” وتصنيف كل المعارضين كإرهابيين، تلاشت فرص الحوار السياسي تماماً.

ومع تزايد مشاعر اليأس بين المحتجين من حدوث انشقاقات في الجيش أو الشرطة، بدأت تظهر دعوات لحمل السلاح، وهو ما يثير مخاوف من تحول إيران إلى نسخة جديدة من السيناريو السوري أو الليبي. وتؤكد “الإيكونومست” أن التدخل الخارجي، سواء عبر التسلل العسكري أو الدعم الاستخباراتي، قد لا يؤدي إلى تغيير سلمي للنظام، بل قد يفجر صراعاً دموياً طويلاً، حيث سيقاتل النظام بكل ما يملك للحفاظ على وجوده وأصوله، مما يترك المنطقة أمام مستقبل مجهول المعالم.

الخلاصة: الحسابات الخاطئة قد تشعل الفتيل

إن مستقبل العلاقات الإيرانية الأمريكية لا يتوقف فقط على مهارات القيادة السياسية، بل يواجه خطراً داهماً يتمثل في “الأخطاء الحسابية”. فالتصعيد العسكري المستمر قد يكتسب زخماً ذاتياً يخرج عن نطاق السيطرة، ليجد العالم نفسه أمام مواجهة شاملة لم يكن يخطط لها أي من الطرفين، لكنها أصبحت واقعاً تفرضه التحركات الميدانية المتلاحقة.

المصدر: BBC Arabic

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *