مقدمة: لماذا يحتل اليوم الآخر مكانة بارزة في القرآن الكريم؟
إن المتأمل في آيات القرآن الكريم، يدرك بجلاء الأهمية القصوى التي يوليها الله سبحانه وتعالى لموضوع اليوم الآخر. فما السر وراء هذا التركيز الشديد؟ وما هي الدوافع التي جعلت القرآن الكريم يتناول هذا الموضوع بتفصيل وإسهاب؟ هذا المقال يسعى لاستكشاف بعض الأسباب الرئيسية التي تفسر العناية القرآنية الفائقة باليوم الآخر، وكيف يساهم ذلك في فهمنا للدين الإسلامي.
1. تفنيد إنكار المشركين لليوم الآخر:
كان إنكار المشركين لليوم الآخر سمة بارزة في مجتمعات ما قبل الإسلام. لقد اعتبروا الحياة الدنيا هي الغاية النهائية، ونفوا أي احتمال لوجود حياة أخرى بعد الموت. هذا الإنكار تجسد في قولهم كما ورد في القرآن الكريم: {وَقَالُوا مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ وَمَا لَهُم بِذَٰلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ} [الجاثية: 24].
- موقف القرآن: لم يقف القرآن صامتاً أمام هذا الإنكار، بل تصدى له بكل قوة، مبيناً زيف هذه المزاعم ومؤكداً على حقيقة اليوم الآخر. وذلك من خلال:
- تقديم الأدلة والبراهين العقلية والنقلية على وجود حياة بعد الموت.
- تصوير مشاهد القيامة والحساب والجزاء لتقريب الصورة إلى الأذهان.
- توبيخ المكذبين وتحذيرهم من عواقب إنكارهم.
2. تصحيح الانحرافات في عقيدة أهل الكتاب:
على الرغم من أن أهل الكتاب يؤمنون بمبدأ اليوم الآخر، إلا أن تصوراتهم عنه كانت تشوبها الكثير من التحريفات والتشويهات. لقد ضلوا عن الحقائق التفصيلية المتعلقة بهذا اليوم، واختلطت لديهم المفاهيم الصحيحة بالمفاهيم الخاطئة.
- دور الإسلام: جاء الإسلام ليصحح هذه الانحرافات ويكشف الحقائق الغائبة حول اليوم الآخر. فقد قدم الإسلام:
- تفاصيل دقيقة عن أحداث القيامة والحساب والجنة والنار.
- تصويراً واضحاً لمعنى العدل الإلهي في الجزاء والثواب.
- شرحاً شاملاً لأحوال المؤمنين والكافرين في الآخرة.
3. تحقيق العدالة الإلهية:
إن الإيمان باليوم الآخر هو حجر الزاوية في تحقيق العدالة الإلهية. فالله سبحانه وتعالى قد جعل هذا اليوم ليجازي فيه المحسن بإحسانه والمسيء بإساءته.
- أهمية الجزاء: لولا وجود اليوم الآخر، لكانت الحياة الدنيا عبثاً لا معنى له. فبدون الجزاء، لا يكون هناك فرق بين فعل الخير وفعل الشر، ولا تكون هناك قيمة للفضائل والأخلاق.
- العدل المطلق: اليوم الآخر هو اليوم الذي يتحقق فيه العدل المطلق. فالظالم سينال جزاء ظلمه، والمظلوم سينتصر على ظالمه، وكل إنسان سيأخذ حقه كاملاً غير منقوص.
خاتمة: اليوم الآخر هو المحور
إن العناية القرآنية باليوم الآخر ليست مجرد تفصيل ثانوي في العقيدة الإسلامية، بل هي محور أساسي يرتكز عليه الدين كله. فالإيمان باليوم الآخر يدفع الإنسان إلى فعل الخير وتجنب الشر، ويجعله أكثر وعياً بمسؤوليته أمام الله سبحانه وتعالى. كما أنه يمنح الإنسان الأمل في تحقيق العدالة المطلقة في الآخرة، ويخفف عنه آلام الحياة ومصاعبها. لذلك، فإن فهمنا لليوم الآخر هو مفتاح لفهم أعمق للإسلام كدين شامل وكامل.

اترك تعليقاً