بلاستيك حيوي مستخلص من بروتين الحليب: ابتكار واعد يتحلل بيولوجياً في 13 أسبوعاً فقط

بلاستيك حيوي مستخلص من بروتين الحليب: ابتكار واعد يتحلل بيولوجياً في 13 أسبوعاً فقط

مقدمة: مواجهة أزمة البلاستيك العالمي

في ظل التصاعد المستمر للمخاوف العالمية بشأن الآثار البيئية والصحية الناجمة عن النفايات البلاستيكية، يسابق العلماء الزمن لتطوير بدائل آمنة وقابلة للتحلل الحيوي. وتعد هذه الجهود ضرورية للغاية، خاصة مع تحذيرات منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD) من أن إنتاج البلاستيك قد يرتفع بنسبة 70% بحلول عام 2040 ليصل إلى 700 مليون طن سنوياً إذا لم يتخذ المجتمع الدولي إجراءات منسقة. وفي هذا السياق، تبرز دراسة جديدة من جامعة فليندرز بجنوب أستراليا كخطوة محورية نحو تقليل التلوث الناتج عن البلاستيك أحادي الاستخدام.

تشير الإحصائيات المنشورة في دورية Nature إلى أن نحو 60% من البلاستيك المنتج عالمياً هو من النوع أحادي الاستخدام، ولا يتم تدوير سوى 10% منه فقط. ومع تضاعف الإنتاج من مليوني طن في عام 1950 إلى 475 مليون طن في عام 2022، أصبح ابتكار مواد تحاكي خصائص البلاستيك التقليدي ولكن بتأثير بيئي صفري ضرورة ملحة لا رفاهية علمية.

المنهجية العلمية: كيف تحول بروتين الحليب إلى مادة تغليف؟

في الدراسة التي نُشرت مؤخراً في دورية Polymers، نجح فريق بحثي دولي في ابتكار فيلم رقيق ومرن باستخدام كازينات الكالسيوم (Calcium Caseinate)، وهي شكل تجاري من الكازين، البروتين الأساسي الموجود في الحليب. لم تكن العملية مجرد استخلاص للبروتين، بل تضمنت هندسة دقيقة للمواد على المستوى الجزيئي.

قام الباحثون بدمج كازينات الكالسيوم مع النشا المعدل ونوع من النانو طين يُعرف بـ البنتونيت (Bentonite nanoclay). ولتعزيز الخصائص الميكانيكية للمادة، أضيفت مادتا الجلسرين والكحول البولي فينيل (PVA) لضمان المتانة والمرونة الكافيتين للاستخدام التجاري. الهدف كان واضحاً: ابتكار مادة تؤدي وظيفة البلاستيك التقليدي في حماية المنتجات، لكنها تختلف عنه جذرياً في نهاية دورة حياتها.

الاكتشاف: تحلل كامل في زمن قياسي

كشفت الاختبارات المعملية والميدانية عن نتائج مذهلة؛ إذ أظهرت المادة قدرة عالية على التحلل المستمر تحت ظروف التربة العادية. ووفقاً للتقديرات البحثية، فإن الفيلم الحيوي يتحلل بالكامل في غضون 13 أسبوعاً فقط. وتعد هذه الفترة قصيرة جداً مقارنة بالبلاستيك التقليدي الذي قد يستغرق مئات السنين ليتفتت إلى جزيئات بلاستيكية دقيقة (Microplastics) تلوث السلسلة الغذائية.

بالإضافة إلى سرعة التحلل، خضعت المادة لاختبارات سمية ميكروبية دقيقة. وأكدت النتائج أن مستويات المستعمرات البكتيرية ظلت ضمن الحدود المقبولة للأفلام القابلة للتحلل، مما يشير إلى سمية منخفضة للغاية وأمان عالٍ عند استخدامها في تغليف المواد الغذائية. ومع ذلك، يؤكد البروفيسور يوهونغ تانغ، الباحث في معهد فليندرز لعلوم وتقنيات النانو، على ضرورة إجراء المزيد من التقييمات المضادة للبكتيريا في مراحل التطوير القادمة لضمان أعلى معايير السلامة الاستهلاكية.

الأهمية العلمية والتعاون الدولي

لا تكمن أهمية هذا الابتكار في كونه بديلاً بيئياً فحسب، بل في كونه ثمرة تعاون علمي عابر للقارات. فقد شارك في المشروع باحثون من الهندسة الكيميائية في كولومبيا، من بينهم نيكولاي استيفن غوميز ميزا والبروفيسورة أليس يوفانا باتاكويفا ماتيوس من جامعة بوغوتا خورخي تاديو لوزانو.

يوضح الباحث غوميز ميزا أن التجارب بدأت بمحاولة صنع ألياف نانوية من الكازينات، ليتبين لاحقاً إمكانية صبها في قوالب بوليمرية تشبه مواد التغليف الشائعة. ويضيف أن دمج مكونات طبيعية ووفرة كالنشا ونانو طين البنتونيت ساهم في تعزيز قوة الفيلم وقدرته على العمل كحاجز فعال ضد العوامل الخارجية، كل ذلك باستخدام مكونات غير مكلفة وصديقة للبيئة.

الآفاق المستقبلية: نحو اقتصاد دائري

يمثل هذا البحث خطوة جادة نحو ما يعرف بـ الاقتصاد الدائري (Circular Economy)، حيث تُصمم المنتجات لتكون جزءاً من دورة بيئية مستمرة بدلاً من نموذج “الاستخراج، التصنيع، ثم التخلص”. تؤكد البروفيسورة باتاكويفا ماتيوس أن معظم البلاستيك أحادي الاستخدام يأتي من تغليف الأغذية، ولذلك فإن تطوير بدائل بوليمرية حيوية هو الحل الأمثل للصناعة والمستهلك والبيئة على حد سواء.

إن الانتقال من البلاستيك المشتق من الوقود الأحفوري، والذي يحتوي على آلاف المواد الكيميائية المضافة والمسرطنة أحياناً، إلى بدائل مستخلصة من مصادر طبيعية كبروتين الحليب، ليس مجرد خيار تقني، بل هو ضرورة حتمية لحماية الكوكب والأجيال القادمة من تراكم النفايات غير القابلة للتحلل.


المصدر العلمي: ScienceDaily

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *