نستغربُ كثيراً حين نرى طالباً يستهتر بمستقبله الدراسي، أو موظفاً يُهمل مهام عمله التي هي مصدر رزقه، ولكن العجب الأكبر يتجلى في حال المسلم الذي يغفل عن الغاية الجوهرية التي وُجد لأجلها، رغم أنها طريق سعادته الأبدية في الدارين.
حقيقة الغاية من الخلق
لقد حدد الخالق سبحانه الهدف من وجود الجن والإنس في آية محكمة: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإنْسَ إِلا لِيَعْبُدُونِ}، ويمكن تلخيص فلسفة هذه الغاية في النقاط التالية:
- جودٌ لا حاجة: يوضح الإمام ابن القيم أن الله غني عن عباده، ولم يخلقهم لينتفع بهم، بل خلقهم إحساناً منه ليعبدوه فيربحوا هم بالفوز برضاه وجنته.
- العبودية الشاملة: العبادة ليست مجرد طقوس، بل هي وظيفة حياة كاملة؛ تتمثل في استقامة الضمير، وانضباط الجوارح، وتوجيه كل حركة وسكون في هذه الحياة لله وحده.
- تحقيق الذات الإنسانية: من قام بهذه الوظيفة فقد حقق جوهر وجوده، ومن نكل عنها فقد أبطله وعاش حياة فارغة من القصد والمعنى.
- نفي الإهمال: استنكر الله على من يظن أنه خُلق للعبث مثل البهائم بلا ثواب أو عقاب، كما في قوله: {أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا}.
- مقتضى الحكمة الإلهية: يرى ابن عاشور أن من وهب الإنسان العقل لا يليق بحكمته أن يتركه “سدى” بلا حساب، وإلا لتساوى الصالح والمفسد، وهو ما لا يقبله العقل والعدل الإلهي.
- الأولويات الشرعية: يؤكد ابن القيم أن المطلوب هو ترك الذنوب (وهي فريضة) مع البقاء في الدنيا، فالصالحون لا يأمرون الناس بترك معاشهم بل بترك معاصيهم.
- قاعدة البدء بالأهم: من بدأ بنصيبه من الآخرة، تبعه نصيبه من الدنيا مباركاً فيه، ومن بدأ بالدنيا وتجاهل الآخرة، خاطر بهما معاً.
التحذير من العبثية والضياع
إن الغفلة عن هذه الغاية، بالتفريط في الفرائض أو انتهاك المحرمات، تجعل الإنسان يعيش كأنه خُلق بلا هدف، وهذا ما نفاه القرآن الكريم:
شتات النفس وعواقب الركض خلف الدنيا
عندما تغيب الغاية الكبرى وتتصدر الدنيا قائمة الأولويات، تبدأ المعاناة النفسية والروحية:
1. تشتت الأمر: كما ورد في الحديث، من كانت الدنيا همّه فرّق الله عليه شمله وأشغل قلبه بالهموم.
2. الفقر القلبي: يشعر اللاهث خلف الدنيا بالفقر الدائم والقلق المستمر، ولا ينال منها إلا ما قُدّر له.
منهج التوازن: لا نسيان ولا طغيان
لا يطلب الإسلام من الإنسان اعتزال الحياة، بل يرسم له طريق التوازن:
الخاتمة: قبل فوات الأوان
إن المسلم الواعي هو من يعيش الدنيا وجوارحه تعمل، لكن قلبه معلقٌ بالآخرة. فالخطر الحقيقي يكمن في “التكاثر” الذي يلهي الإنسان عن الاستعداد للقاء ربه، حتى يباغته الموت وهو في غمرة انشغاله، فيتحول من دار العمل إلى دار الجزاء.

اترك تعليقاً