مقدمة: عالم على فوهة بركان جيوسياسي وتكنولوجي
يعيش العالم اليوم حالة من الاستقطاب الحاد الذي لا يقتصر فقط على الترسانات العسكرية التقليدية، بل يمتد ليشمل تقنيات المستقبل وصناعة القرار السياسي في كبرى العواصم العالمية. من التحذيرات النووية في أروقة نيويورك تايمز، إلى انتقادات القيادة في لندن، وصولاً إلى صراع الريادة التكنولوجية في وول ستريت جورنال، تبرز ملامح عصر جديد يتسم بالخطورة والتعقيد.
شبح الحريق النووي: تحذيرات من عودة “حافة الهاوية”
سلط مقال الفريق التحريري لصحيفة “نيويورك تايمز” الضوء على مرحلة مفصلية وخطيرة في تاريخ الأمن القومي العالمي، حيث يرى الكتاب أن العالم دخل رسمياً عصر التسلح غير المقيد بعد انتهاء صلاحية معاهدة “نيو ستارت” بين واشنطن وموسكو. واتهمت الصحيفة إدارة ترامب بتبني سياسة “حافة الهاوية”، وهي استراتيجية تنذر بسباق تسلح لم يشهد العالم مثيلاً له منذ ذروة الحرب الباردة.
وتشير التقارير إلى تحركات عسكرية أمريكية مثيرة للقلق، تتضمن إمكانية إعادة تشغيل أنابيب الإطلاق في غواصات “أوهايو” الباليستية، بل ووصل الأمر إلى طرح فكرة بناء سفن حربية من فئة جديدة تحمل اسم “ترامب”، تكون مزودة بصواريخ كروز نووية. هذه الخطوات، بحسب الخبراء، قد تؤدي إلى مضاعفة الترسانة النووية الأمريكية الحالية، متجاهلةً الترسانة الصينية المتنامية التي بدأت تفرض نفسها كلاعب ثالث في معادلة الرعب النووي.
وحذر المقال من أن استئناف التجارب النووية التفجيرية، المتوقفة منذ عام 1992، سيكون خطأً استراتيجياً فادحاً يجلب دماراً جيوسياسياً وتكلفة بشرية باهظة، مستحضراً مآسي التلوث الإشعاعي في القرن العشرين. واختتمت الصحيفة بضرورة استعادة الكونغرس لدوره الرقابي، مؤكدة أن ترك مصير العالم بيد شخص واحد يملك سلطة إطلاق السلاح النووي هو خطر لا يمكن للديمقراطيات التسليم به.
أزمة القيادة في بريطانيا: كير ستارمر تحت مجهر النقد
وفي الشأن البريطاني، رسم وزير الخارجية الأسبق ويليام هيغ، عبر مقال في “صنداي تايمز”، صورة قاتمة لأداء رئيس الوزراء الحالي كير ستارمر. يرى هيغ أن القيادة الناجحة تتطلب مزيجاً من الإقناع، الحيوية، والقدرة على اتخاذ قرارات حاسمة، وهي صفات يزعم هيغ أن ستارمر يفتقر إليها.
وانتقد هيغ بشدة ميل ستارمر لتفويض المهام الجوهرية لمساعديه، محذراً من أن هذا النهج يقود إلى الكوارث. واستشهد بالقرارات الجريئة لمارغريت تاتشر في الماضي، مقارناً إياها بتردد ستارمر في ملفات حساسة مثل إصلاح نظام الرعاية الاجتماعية. كما تطرق المقال إلى الجدل المثار حول تعيين بيتر ماندلسون سفيراً في واشنطن رغم علاقاته السابقة المثيرة للجدل، معتبراً أن هذه الزلات ليست سوى عرض لضعف الكفاءة القيادية التي قد تجعل ستارمر يلحق بسلسلة رؤساء الوزراء الذين غادروا مناصبهم سريعاً في السنوات الأخيرة.
الذكاء الاصطناعي الكمي: السلاح السري في الصراع الأمريكي الصيني
أما على جبهة المستقبل، فقد وجه جاك هيداري، عبر صحيفة “وول ستريت جورنال”، نداءً عاجلاً للإدارة الأمريكية بضرورة تغيير استراتيجيتها في مجال الذكاء الاصطناعي. يوضح هيداري أن العالم يتجاوز الآن مرحلة الذكاء الاصطناعي اللغوي (مثل إنتاج النصوص والصور) إلى ما يسمى بالذكاء الاصطناعي الكمي المصمم للعلوم والرياضيات.
وتشير المعطيات إلى أن الصين تدرك جيداً أن من سيمتلك أفضل نماذج الذكاء الاصطناعي سيحكم القرن الحادي والعشرين. تركز بكين حالياً على دمج الذكاء الاصطناعي في التكنولوجيا الحيوية، تطوير الأدوية، والصواريخ فرط الصوتية، متفوقة في كثير من الأحيان على الغرب. ويرى هيداري أن واشنطن بحاجة ماسة لبناء نماذج ذكاء اصطناعي قادرة على إدارة المخاطر المتقدمة، ابتكار مواد جديدة من الصفر، وتطوير قطاعي الطاقة والدفاع، محذراً من أن الهيمنة الصينية على القطاعات الحيوية أصبحت بمثابة إنذار حقيقي يستوجب قفزة نوعية غربية قبل فوات الأوان.
خاتمة: تداخل المصائر بين السلاح والسياسة والتقنية
إن الرابط المشترك بين هذه التقارير هو الشعور بانعدام اليقين؛ فالسلاح النووي لم يعد الضمانة الوحيدة للقوة، والقيادة السياسية لم تعد ترفاً بل ضرورة وجودية، والذكاء الاصطناعي تحول من أداة تكنولوجية إلى قلب الصراع الجيوسياسي. نحن أمام عالم يعيد تشكيل نفسه، حيث تتداخل فيه القوة العسكرية مع الحنكة السياسية والسبق العلمي لرسم ملامح النظام العالمي القادم.
المصدر: BBC Arabic


اترك تعليقاً