صراع الإرادات: واشنطن تتحدث عن تقدم وطهران تتمسك بـ “المقاومة”
تشهد الساحة الدولية فصلاً جديداً من فصول الصراع الدبلوماسي المحموم بين طهران وواشنطن، حيث تتصادم التصريحات الرسمية لترسم مشهداً معقداً لمستقبل المنطقة. فبينما يؤكد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أن المفاوضين الإيرانيين “يرغبون بشدة في إبرام اتفاق”، تقابل طهران هذه المزاعم بنفي قاطع، واصفة الحديث عن التنازل في الوقت الراهن بأنه “إقرار بالهزيمة”.
ويعكس هذا التضارب في الروايات فجوة عميقة من انعدام الثقة، تغذيها تجارب سابقة شهدت فيها المحادثات انفراجات دبلوماسية أعقبتها ضربات عسكرية إسرائيلية-أمريكية، مما جعل الداخل الإيراني، وبخاصة التيار المتشدد، ينظر بريبة إلى أي تحرك نحو الطاولة المستديرة. وفي هذا السياق، أكد وزير الخارجية الإيراني، عباس عراقجي، أن سياسة بلاده الحالية هي “مواصلة المقاومة”، مشدداً على أن أي إنهاء للحرب يجب أن يكون وفقاً لـ “الشروط الإيرانية”.
خطة الـ 15 بنداً وغموض الموقف الدبلوماسي
تسربت أنباء عن وجود “خطة سلام” أمريكية مكونة من 15 بنداً تهدف إلى إنهاء الصراع، وهو ما لم ينفه عراقجي صراحة، بل أقر باستلام “أفكار متعددة” تم إحالتها إلى السلطات العليا في البلاد. وفي المقابل، وصفت المتحدثة باسم البيت الأبيض، كارولين ليفيت، الحديث عن تفاصيل هذه الخطة بـ “التكهنات”، رغم تأكيدها على وجود “محادثات مثمرة”.
ويرى مراقبون أن المفاوضات الإيرانية الأمريكية تمر بمرحلة “عض الأصابع”، حيث يحاول كل طرف تحسين شروطه التفاوضية قبل الجلوس الفعلي. فإيران تخشى أن يؤدي استئناف المفاوضات دون ضمانات واضحة إلى تأجيج الغضب الشعبي أو تعرض المسؤولين لضغوط داخلية، بينما يسعى ترامب لإظهار طهران في موقف الضعيف الذي يبحث عن مخرج من العقوبات الاقتصادية.
تصعيد ميداني يهدد أمن الخليج والممرات الدولية
بعيداً عن أروقة الدبلوماسية، يشتعل الميدان بتطورات خطيرة تضع دول الخليج في قلب العاصفة. فقد شهد مطار الكويت الدولي حريقاً ناتجاً عن هجوم بطائرة مسيرة استهدف خزانات الوقود، في تذكير صارخ بضعف البنية التحتية أمام التهديدات الإقليمية. ولم يتوقف الأمر عند الهجمات الجوية، بل أعلنت الكويت عن تفكيك شبكة إرهابية مرتبطة بـ “حزب الله” كانت تخطط لاغتيال قيادات بارزة في الدولة.
وفي العراق، زاد فصيل “سرايا أولياء الدم” من حدة التوتر بإعلانه استهداف الوجود الأمريكي في الخليج والأردن، رداً على الضغوط الدبلوماسية التي تمارسها هذه الدول لوقف الهجمات المنطلقة من الأراضي العراقية. هذا التصعيد دفع بوزير الخارجية الأردني، أيمن الصفدي، لمطالبة بغداد باتخاذ إجراءات فورية لوقف الهجمات التي تستهدف أراضي المملكة، مؤكداً أن الأردن لن يسمح بأن يكون ساحة لتصفية الحسابات.
لبنان والنموذج الغزاوي: تحذيرات دولية من انفجار شامل
في الجبهة الشمالية، حذر الأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريش، من تكرار “نموذج غزة” في لبنان، داعياً إسرائيل وحزب الله إلى وقف فوري للأعمال العدائية. وتأتي هذه التحذيرات في وقت أعلن فيه رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو عزم بلاده إنشاء “منطقة عازلة أكبر” في جنوب لبنان لصد تهديدات الحزب، مما أدى إلى سقوط ضحايا مدنيين في غارات استهدفت بلدات النبطية وبنت جبيل.
وعلى الصعيد الدولي، امتدت الملاحقات المرتبطة بحزب الله إلى أمريكا اللاتينية، حيث أوقفت السلطات في الإكوادور مواطناً سورياً مصنفاً كـ “تهديد إرهابي” لارتباطه بالحزب وشبكات تهريب المخدرات، مما يشير إلى أن الصراع الإيراني الأمريكي تجاوز الحدود الإقليمية ليصبح مواجهة عالمية تشمل أذرع طهران في مختلف القارات.
خلاصة الموقف: التفاوض تحت النار
تبقى المفاوضات الإيرانية الأمريكية معلقة بين رغبة واشنطن في فرض “هزيمة دبلوماسية” على طهران، وإصرار إيران على انتزاع اعتراف بمصالحها الاستراتيجية. ومع استمرار التصعيد في لبنان والخليج، يبدو أن لغة السلاح لا تزال تسبق لغة الحوار، مما يجعل المنطقة بأكملها تعيش حالة من انعدام الأمن العميق بانتظار ما ستسفر عنه الأيام القادمة من تحولات في مواقف القوى الكبرى.
المصدر: BBC Arabic


اترك تعليقاً