تاريخ الاحتجاجات في إيران: صرخة الشارع وسيناريو “المؤامرة الخارجية” المتكرر

تاريخ الاحتجاجات في إيران: صرخة الشارع وسيناريو “المؤامرة الخارجية” المتكرر

على مر العقود، شهدت الساحة الإيرانية موجات متتالية من الغضب الشعبي الذي لم يهدأ، فمن أزقة الأسواق العتيقة في طهران إلى الجامعات والميادين الكبرى، تكررت مشاهد الاحتجاجات التي تعكس واقعاً معقداً من الأزمات المتراكمة. ورغم تنوع الدوافع ما بين اقتصادية، سياسية، واجتماعية، إلا أن هناك خيطاً رفيعاً يربط بينها جميعاً: نمط واحد في التصعيد، ومآل واحد في التفسير الرسمي.

شرارة الأسواق: عندما يتحدث الاقتصاد بلغة الشارع

في أواخر ديسمبر/كانون الأول، انطلقت شرارة احتجاجات واسعة من قلب العاصمة طهران، وتحديداً من أسواق الهواتف المحمولة والإلكترونيات. لم تكن هذه المرة مجرد مطالب سياسية، بل كانت صرخة ضد:

  • التضخم الجامح: الذي التهم القوة الشرائية للمواطن.
  • انهيار العملة: تدهور الريال الإيراني أمام العملات الأجنبية.
  • غلاء المعيشة: الذي جعل الاحتياجات الأساسية صعبة المنال.

سرعان ما انتقلت هذه العدوى من التجار إلى الطلاب والمواطنين العاديين، لتخرج عشرات الآلاف في تظاهرات جابت محافظات إيران من شمالها في قزوين ومازندران، إلى جنوبها في بوشهر وفارس، مروراً بالوسط والغرب في أصفهان وكرمنشاه وخوزستان.

محطات فارقة في تاريخ الغضب الإيراني

يكشف التاريخ الإيراني المعاصر عن سجل حافل بالانتفاضات التي تركت أثراً عميقاً في الذاكرة الجمعية، ويمكن تلخيص أبرزها في ثلاث محطات رئيسية:

1. الحركة الخضراء 2009: الزلزال السياسي

تُعد احتجاجات عام 2009 الأضخم في تاريخ الجمهورية الإسلامية، حيث اندلعت عقب الانتخابات الرئاسية التي فاز بها محمود أحمدي نجاد بولاية ثانية.

  • السبب: اتهامات بتزوير واسع النطاق من قبل التيار الإصلاحي.
  • الرمزية: ارتدى المحتجون اللون الأخضر، لون المرشح مير حسين موسوي.
  • النتيجة: واجهت السلطات التحركات بحزم، وانتهت بفرض الإقامة الجبرية على قادة الحركة، وهو الوضع المستمر حتى يومنا هذا بالنسبة لموسوي.

2. انتفاضة الوقود 2019: وجع العقوبات

في نوفمبر 2019، فاجأ الشارع الإيراني السلطات بموجة احتجاجات عارمة شملت أكثر من 20 مدينة.

  • المحرك: قرار مفاجئ برفع أسعار الوقود والمواد الاستهلاكية نتيجة الضغوط الاقتصادية والعقوبات الأمريكية.
  • الرد الأمني: تم قطع شبكة الإنترنت تماماً عن البلاد، وتحدثت منظمات حقوقية مثل "عفو الدولية" عن سقوط مئات القتلى خلال أيام قليلة، وسط نفي رسمي.

3. حراك "مهسا أميني" 2022: ثورة الحريات الاجتماعية

شكلت وفاة الشابة مهسا أميني في سبتمبر 2022 نقطة تحول جوهرية، حيث تجاوزت المطالب الجانب المعيشي لتصل إلى جوهر الحريات الشخصية.

  • الشعار: "امرأة، حياة، حرية".
  • الانتشار: شاركت فيها مختلف الأطياف والأعراق الإيرانية.
  • الحصيلة: تقارير حقوقية أشارت إلى مقتل أكثر من 400 شخص واعتقال الآلاف، فيما وصف قادة الحرس الثوري التحركات بأنها "مؤامرة غربية" تهدف لزعزعة استقرار البلاد.

النمط المتكرر: لماذا تنتهي الاحتجاجات دائماً إلى نفس المآل؟

عند تحليل السلوك الرسمي تجاه هذه الهبات الشعبية، نجد استراتيجية ثابتة تتبعها السلطات الإيرانية، تتركز في النقاط التالية:

  1. تسييس المطالب: تحويل أي مطلب معيشي أو اجتماعي إلى صراع سياسي وجودي.
  2. نظرية المؤامرة: ربط الاحتجاجات مباشرة بالقوى الغربية و"الأعداء الخارجيين"، مما يسقط عن المحتجين صفة "المواطن المطالب بحقه" ويضعهم في خانة "العميل".
  3. الخيار الأمني: استخدام القوة المفرطة، قطع الاتصالات، والتعتيم الإعلامي كأدوات أساسية لإجهاض التحركات في مهدها.

خاتمة:
يبقى تاريخ الاحتجاجات في إيران سجلاً مفتوحاً على كل الاحتمالات؛ فبينما يرى الشارع في كل خروج فرصة للتغيير، ترى السلطة فيه تهديداً يتطلب الحزم. وبين هذا وذاك، يظل "المآل الواحد" هو السمة الغالبة، حيث تُطوى صفحة الاحتجاج بانتصار القبضة الأمنية، لتبقى الأسباب الحقيقية كامنة تحت الرماد، بانتظار شرارة جديدة.

المصدر: موقع الجزيرة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *