تراجع القوة البحرية الروسية: كيف أدت حرب أوكرانيا إلى تحول موسكو لشريك أصغر للصين في البحار؟

تراجع القوة البحرية الروسية: كيف أدت حرب أوكرانيا إلى تحول موسكو لشريك أصغر للصين في البحار؟

مقدمة: البحر الأسود.. ساحة خلفية تكشف نقاط الضعف الروسية

في خضم الحرب الروسية الأوكرانية، وبينما تتجه الأنظار نحو المعارك البرية والجوية، يغفل الكثيرون عن الجانب البحري، وهو الجانب الذي كشف عن نقاط ضعف روسية جوهرية. لم تقتصر تداعيات هذا الجانب على النجاحات الأوكرانية الأولية في البحر الأسود، بل امتدت لتشكل مسارًا جديدًا في العلاقات الصينية الروسية، حيث تظهر روسيا كشريك "أصغر" للصين، بعيدًا عن الصورة التي كانت عليها كقوة بحرية عالمية في عهد الاتحاد السوفيتي.

الهزيمة في البحر الأسود: اتفاق هش وتداعيات أبعد

رغم اتفاقية "أمن الملاحة" المعلنة في مارس الماضي، والتي تهدف إلى وقف استخدام القوة في البحر الأسود، إلا أن الجانب البحري من حرب أوكرانيا يحمل تداعيات أبعد مما تبدو. خسائر روسيا في البحر الأسود لم تحد من قدرتها على إبراز قوتها ونفوذها عبر أسطولها البحري فحسب، بل دفعتها نحو تعاون متزايد مع الصين، حيث تظهر موسكو كشريك أقل نفوذاً لبكين في سبيل الوصول إلى أعالي البحار.

الجيوسياسة بين البر والبحر: تبسيط مضلل

لطالما قسمت النظريات الجيوسياسية العالم إلى قوى برية وبحرية، مع تصوير القوى البحرية كدول ديمقراطية تجارية حرة، والقوى البرية كدول استبدادية عسكرية. هذا التقسيم، رغم تبسيطه المفرط، يخلق انطباعًا زائفًا بأن الحروب البرية والبحرية مجالان منفصلان. الانتصار البري الروسي في شرق أوكرانيا يجب ألا يحجب عنا الخسارة المدوية في البحر الأسود، والتي أجبرت الأسطول الروسي على التراجع بعيدًا عن السواحل الأوكرانية.

المياه القريبة والبعيدة: استراتيجية القوة البحرية

وفقًا لكولين فلينت، تتطلب القوة البحرية السيطرة على "المياه القريبة" (المناطق البحرية القريبة من السواحل) ثم، إذا أمكن، بسط النفوذ إلى "المياه البعيدة" (البحار والمحيطات الأخرى). البحر الأسود، بموقعه الاستراتيجي، يمثل "مياه قريبة" لعدة دول، وقد كان دائمًا محل نزاع. سيطرة روسيا على شبه جزيرة القرم عام 2014 حولت ما كان "مياه قريبة" لأوكرانيا إلى جزء من "مياه روسيا القريبة".

أوكرانيا تستعيد المبادرة: التعاون الإقليمي يغير المعادلة

رغم محاولات روسيا لتعطيل التجارة الأوكرانية، وخاصة صادرات الحبوب، إلا أن التعاون بين رومانيا وبلغاريا وتركيا سمح بمرور سفن الشحن الأوكرانية عبر مياهها الإقليمية، ومن ثم إلى البحر الأبيض المتوسط. هذا التعاون مكّن أوكرانيا من تصدير ملايين الأطنان من الحبوب شهريًا، مما ساهم في الحفاظ على اقتصادها.

الضربات الأوكرانية الموجعة: تقويض الأسطول الروسي

بالإضافة إلى إجهاض محاولات روسيا لفرض حصار بحري، تعرضت روسيا لهجمات مباشرة من أوكرانيا. باستخدام المسيّرات الهجومية، تمكنت كييف من إغراق وتدمير السفن الروسية، مما قلل بشكل كبير من قدرات الأسطول الروسي في البحر الأسود. أُجبرت روسيا على تقييد استخدام ميناء سيفاستوبول ونقل سفنها إلى السواحل الشرقية للبحر الأسود، مما أفقدها القدرة على التحرك بفاعلية في "مياهها القريبة".

تاريخ من التحديات البحرية: روسيا تركز على حماية محيطها

تعتبر الانتكاسات البحرية الروسية في مواجهة أوكرانيا حلقة في سلسلة من الصعوبات التاريخية التي واجهتها روسيا في بسط قوتها البحرية. من الهزيمة أمام اليابان في عام 1905 إلى الحصار البحري النازي خلال الحرب العالمية الثانية، لطالما كانت القوة البحرية الروسية مقيدة. حتى خلال الحرب الباردة، اعتمدت القدرة السوفيتية على الوجود في المياه البعيدة بشكل أساسي على الغواصات.

التحول نحو الشراكة الصينية: ضرورة أم خيار استراتيجي؟

بعد فقدان السيطرة الكاملة على البحر الأسود، لم تعد روسيا قادرة على التحرك بحرية في "مياهها القريبة". هذه الخسارة تقلل من قدرتها على نشر قوتها البحرية من البحر الأسود إلى البحر الأبيض المتوسط. في ظل هذا الضعف، لم تعد روسيا قادرة على الوجود في أعالي البحار إلا بالتعاون مع الصين، التي تستثمر بقوة في قدراتها البحرية البعيدة.

مناورات مشتركة: تعاون يخدم مصالح من؟

المناورات البحرية المشتركة بين الصين وروسيا في بحر جنوب الصين تجسد هذا التعاون. بينما يرى البعض أنه مشروع مفيد للطرفين لبسط نفوذهما، إلا أنه يصب بشكل أكبر في صالح الصين. روسيا يمكن أن تساعد الصين في حماية "مياهها القريبة" في الشمال وتأمين وصول بكين إلى المحيط المتجمد الشمالي، وهي منطقة تتزايد أهميتها بسبب تغير المناخ.

روسيا.. شريك أصغر: تبعية استراتيجية واضحة

تظل روسيا شريكًا أقل منزلة في هذا التحالف البحري، حيث أن مصالحها الإستراتيجية ستُلبَّى فقط إذا تعارضت مع المصالح الصينية. الصين ستستخدم روسيا على الأرجح لحماية نفوذها الاقتصادي المتزايد في المياه الأفريقية والأوروبية ومياه أمريكا الجنوبية والمحيط الهادي، لكنها من غير المرجح أن تعرض مصالحها للخطر من أجل أهداف روسية.

الخلاصة: تبعات حرب أوكرانيا على مكانة روسيا البحرية

حتى مع الاتفاق البحري الأخير مع أوكرانيا، لن يتمكن من تعويض روسيا عن عجزها المتزايد عن إبراز قوتها ونفوذها البحري بمفردها حول بحار ومحيطات العالم. حرب أوكرانيا كشفت عن نقاط ضعف روسيا البحرية وأجبرتها على التحول إلى شريك أصغر للصين في البحار، وهو تحول قد يكون له تداعيات طويلة الأمد على ميزان القوى العالمي.

المصدر: موقع الجزيرة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *