تسجيل ناصر المسرب: هل فاوض عبد الناصر إسرائيل سرًا؟ نظرة جديدة على علاقاته المعقدة

تسجيل ناصر المسرب: هل فاوض عبد الناصر إسرائيل سرًا؟ نظرة جديدة على علاقاته المعقدة

في الآونة الأخيرة، أثار تسجيل صوتي منسوب للرئيس المصري الراحل جمال عبد الناصر، يعود إلى أغسطس 1970 ويجمعه بالزعيم الليبي معمر القذافي، جدلاً واسعًا على وسائل التواصل الاجتماعي. لم يكن الجدل مقتصرًا على صحة التسجيل أو توقيت ظهوره، بل امتد ليشمل محتواه الذي يظهر عبد الناصر وكأنه "يتبنى" وجهة نظر الرئيس أنور السادات، الذي غالباً ما تم تصوير سياساته الخارجية على أنها انقلاب جذري على النهج الناصري.

تأكيد ونفي: ضبابية الموقف الرسمي

لم يصدر أي تأكيد أو نفي رسمي من الجهات المصرية المعنية حول صحة التسجيل. ومع ذلك، أكد عبد الحكيم عبد الناصر، نجل الرئيس الراحل، صحة التسجيل في تصريح لصحيفة الشروق المصرية.

محتوى التسجيل: اعتراف ضمني بإسرائيل؟

في التسجيل، يتحدث ناصر بصوت متعب، شارحًا للقذافي أن الحرب الشاملة مع إسرائيل ومحاولة تحرير فلسطين "من البحر إلى النهر" هي سياسة غير قابلة للتطبيق. ويضيف أن الأفضل هو الانخراط في مبادرات السلام، وأخذ ما يمكن أخذه من الأراضي المحتلة عبر الاتفاقيات، مهما كانت شروطها "مُرة". كما نُسب إليه قوله إن اليهود "متفوقون على العرب في كل شيء".

ويضيف ناصر أنه لو كان مكان ملك الأردن، وعُرض عليه استعادة الضفة الغربية، حتى لو كانت منزوعة السلاح، فإنه سيقبل ذلك، لأنه لا يوجد حل آخر. كما عبر عن ضيقه من الانتقادات التي توجهها له دول مثل العراق وسوريا والجزائر وفلسطين واليمن، والتي تطالبه بالحرب واستعادة الأرض العربية كاملة، ويرى في ذلك ضربًا من العبث.

وفي سياق تهكمي، أضاف ناصر أنه إذا كانت هذه الأطراف "العربية" تريد الحرب الشاملة والقتال والتحرير، فلتذهب هي بنفسها، وسوف يقدم لها معونة قدرها 50 مليون جنيه مصري، لكنه لن يرسل جنوده للقتال لأنه "يخاف على أولاده". وتابع قائلاً: "احنا بنبعد (نحن نبتعد) عن العملية كلها، احنا بتوع (نحن أصحاب) الحل السلمي الانهزامي الاستسلامي، واتفضلوا الناس اللي عايزة (تريد) تحارب… واحنا مش هنتكلم (لن نتكلم) في المفاوضات إلا على سيناء بس (فقط)، ليس لنا دخل بالقضية الفلسطينية".

يبدو أن ناصر في التسجيل يبرر الاعتراف بإسرائيل، أو على الأقل التعامل معها ببراغماتية، واختيار محاولة استعادة الأراضي التي استولت عليها إسرائيل في حرب 1967 عبر مفاوضات السلام، نظرًا لفرق القوة العسكرية الضخم. وهي نبرة بعيدة كل البعد عن الصورة المتخيلة للرئيس المصري الأسبق، حيث يرى أن التمسك بتحرير الأرض كاملة سيؤدي إلى تكرار مأساة عام 1948، نظرًا لفرق الإمكانيات والدعم الأميركي لإسرائيل.

تفسيرات متباينة: تناقض أم يأس؟

أثار التسجيل المنسوب لناصر تفسيرات متباينة. البعض يرى أنه يعبر عن تناقض بين الخطاب المعادي لإسرائيل للإدارة الناصرية وسياساتها الحقيقية "الأكثر براغماتية". بينما يرى آخرون أن الحوار جاء في فترة متأخرة من حياة عبد الناصر، قبل وفاته بشهرين، وهي فترة عانى خلالها انكسارات الهزيمة ومرارات الخذلان العربي، وربما اليأس من القدرة على مضاهاة القوة الإسرائيلية المدعومة أميركيًا.

النظام الناصري والقضية الفلسطينية: أسئلة مفتوحة

يفتح التسجيل ملفًا أعمق حول طبيعة النظام الناصري نفسه ورؤيته للقضية الفلسطينية ودولة الاحتلال الإسرائيلي، وعلاقته بالولايات المتحدة الأميركية. كما يطرح أسئلة حول السبب الحقيقي لظهور هذا التسجيل في هذا التوقيت بالذات.

  • هل يعبر التسجيل عن تحول في موقف ناصر بعد "النكسة"؟
  • أم أن الأمر أكثر تعقيدًا ويتطلب فهمًا لطبيعة علاقة "ثورة يوليو" بالولايات المتحدة منذ البداية؟

"الثورة المصرية" في مجلة "فورين أفيرز": لغة مختلفة

تبدو اللهجة التي كان يتحدث بها عبد الناصر عن الولايات المتحدة أمام الجماهير في الستينيات مختلفة تمامًا عن اللغة التي كتب بها مقاله في مجلة "فورين أفيرز" الأميركية عام 1955. في ذلك المقال، سعى ناصر إلى طمأنة الولايات المتحدة بشأن توجهات النظام الجديد، مؤكدًا أنه إذا أمدت الولايات المتحدة مصر بالسلاح، فإن القاهرة لن تسعى لبدء أي صراع مع إسرائيل. كما شدد على أن السبيل الوحيد لمنع "التسلل الشيوعي" إلى حركات الاستقلال الوطنية هو أن تدعم الولايات المتحدة تلك الأنظمة التحررية الوليدة.

من العداء للإمبريالية إلى التقارب مع المعسكر الشرقي

خفتت هذه اللغة "المتصالحة" مع الولايات المتحدة في خطاب ناصر العلني الذي يمكن وصفه بأنه مناهض للولايات المتحدة، خاصة بعد رفض الولايات المتحدة تمويل السد العالي، والاندفاع الوحدوي نحو سوريا والقومية العربية، ثم الهزيمة عام 1967.

رواية أخرى: هل كانت "ثورة يوليو" أميركية؟

هناك رواية أخرى غير سائدة، تستعين بالكثير من المعلومات والوثائق، وتدّعي أن عبد الناصر لم يكن عدوًا صريحًا لأميركا كما يظهر، وأن واشنطن ربما رأت أن "ثورة الضباط" تخدم شيئًا من مصالحها وقامت بالتواصل مع أطرافها حتى قبل أن يقوموا بحركتهم.

كان الصحافي والباحث المصري محمد جلال كشك من أوائل من طرحوا هذه الرواية في كتابيه "كلمتي إلى المغفلين" و "ثورة يوليو الأميركية"، حيث قدم نظرية تربط بين "ثورة" يوليو 1952 وبين المخابرات الأميركية.

وثائق وشهادات: فهم "ألغاز" الناصرية

رأى كشك أن الوثائق والشهادات الأميركية ضرورية لفهم "ألغاز" أساسية مرتبطة بصعود الناصرية، مثل:

  • كيف نجح الضباط في الاستيلاء على السلطة بسهولة شديدة؟
  • لماذا امتنعت القوات البريطانية عن التدخل ضد حركة الجيش؟
  • لماذا عارضت الولايات المتحدة حرب 1956؟

لعبة معقدة: استفادة متبادلة

ما يطرحه كشك ليس اتهامًا مباشرًا للرئيس عبد الناصر بالعمالة للولايات المتحدة، وإنما أنه كانت هناك لعبة معقدة حاول فيها عبد الناصر ومجموعته أن يستفيدوا من الولايات المتحدة لتحقيق أهدافهم، حيث تقاطعت أفكار عبد الناصر وطموحاته مع طموحات الولايات المتحدة.

علاقات سرية: السفير البريطاني يلجأ إلى الأميركيين

يشير كشك إلى أن السفير البريطاني في مصر كان يلجأ للإدارة الأميركية لترتيب لقاءات مباشرة مع عبد الناصر، وأنه حين استقر القضاء المصري على إعدام بعض اليهود المصريين المتورطين في فضيحة لافون، تواصل الرئيس الأميركي أيزنهاور مع عبد الناصر لوقف هذا الإجراء.

المصالح الأميركية في المنطقة: تفكيك النفوذ البريطاني

يستشهد كشك بمصادر غربية، مثل كتاب "أميركا والثورة المصرية 1950-1957" لباري روبين، وكتاب "صعود وسقوط المخابرات الأميركية" لجون رافيلانغ، وشهادة ويلبر كرين إيفلاند رجل المخابرات المركزية الأميركية، ليدلل على أن علاقات عبد الناصر ومجموعته بالولايات المتحدة قد بدأت بقوة منذ مارس 1952، وأن المخابرات الأميركية كانت قريبة للغاية من تنظيم الضباط الأحرار ودعمتهم وباركت سيطرتهم على السلطة، وأن غرض الولايات المتحدة آنذاك كان تفكيك النفوذ البريطاني والفرنسي في الشرق الأوسط وإحلال الهيمنة الأميركية بدلا منه، ومنع وصول حكم راديكالي شيوعي في بلد مركزي مثل مصر.

دولة الاحتلال الإسرائيلي: مفاوضات سرية

حتى فيما يتعلق بملف دولة الاحتلال الإسرائيلي، لا يبدو أن إدارة عبد الناصر كانت صاحبة موقف عدائي راديكالي يتناقض مع موقف

المصدر: موقع الجزيرة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *