المقدمة: ماهية الانطواء وغائية الوجود
في عمق الرؤية الإسلامية للوجود، لا يُنظر إلى نهاية العالم بوصفها حدثاً عبثياً أو انهياراً مادياً مجرداً، بل هي تليولوجيا (دراسة الغائية) محكمة، تمثل ذروة الحكمة الإلهية في طي بساط الزمان والمكان. إن مفهوم “الانطواء الكوني” يستند إلى الحقيقة القرآنية الكبرى في قوله تعالى: (يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ ۚ كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُّعِيدُهُ ۚ وَعْدًا عَلَيْنَا ۚ إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ). هذا البحث يسعى لسبر أغوار أشراط الساعة ليس كعلامات تحذيرية فحسب، بل بوصفها مصفوفة تهدف إلى تفكيك حالة “الاغتراب” التي تعيشها الروح في حبس المادة، وتهيئتها للعبور نحو الأبدية.
أولاً: ميكانيكا الأشراط بوصفها تفكيكاً للمألوف
تأتي أشراط الساعة، صغراها وكبراها، لتكسر رتابة القوانين الفيزيائية التي ألفها الإنسان. عندما يتحدث الوحي عن طلوع الشمس من مغربها، أو دابة الأرض، فهو يشير إلى خلخلة في “نظام العادة”. هذا التفكيك ليس لغاية الترويع، بل هو عملية تنبيه للوعي البشري بأن المادة ليست أزلية. يقول النبي ﷺ: “لا تقوم الساعة حتى تطلع الشمس من مغربها، فإذا طلعت ورآها الناس آمنوا أجمعون” (متفق عليه).
إن هذه الميكانيكا تعمل على:
- تحطيم الصنم المادي: حيث يدرك الوعي أن القوانين التي ظنها مطلقة هي مجرد إرادة إلهية طارئة.
- إعادة توجيه القبلة القلبية: من الالتفات إلى الأسباب إلى مسبب الأسباب وحده.
- تهيئة الروح للانفصال: فكما يتفكك الكون، تتفكك معه علائق الروح بالدنيا، مما يسهل عملية الانسلاخ نحو عالم البرزخ.
ثانياً: اغتراب الروح وصدمة الاستيقاظ
تعيش الروح في هذا العالم حالة من الاغتراب، فهي كائن سماوي حُبس في هيكل طيني وزمان خطي. هذا الاغتراب عبر عنه المصطفى ﷺ بقوله: “بدأ الإسلام غريباً وسيعود غريباً كما بدأ، فطوبى للغرباء” (رواه مسلم). في آخر الزمان، يشتد هذا الاغتراب حتى يصبح المؤمن كالقابض على الجمر.
إن أشراط الساعة تعمل هنا كـمصفوفة روحية؛ فهي تزيد من شعور الروح بعدم الانتماء لهذا العالم المتهالك. حين يرى المؤمن تقارب الزمان، وكثرة الهرج، وضياع الأمانة، يزداد يقينه بأن “الموطن” ليس هنا. هذا الوعي هو الذي يسميه العلماء “تجريد التوحيد”، حيث لا يبقى في القلب سوى الله. إن انطواء الكون المادي هو في الحقيقة اتساع للكون الروحي؛ فكلما تآكلت المادة، أشرقت الماهية الإنسانية الحقيقية المستعدة للقاء ربها.
ثالثاً: غائية الانهيار الفيزيائي والولادة الميتافيزيقية
لماذا يجب أن ينطوي الكون؟ ولماذا تمر الساعة بأهوال وصور كونية مفزعة؟ (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ ۚ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ). الحكمة هنا تكمن في أن الولادة الجديدة للروح تتطلب مخاضاً. إن الكون يطوي نفسه ليُفتح فضاء “النشأة الأخرى”.
يقول الإمام الغزالي ما معناه إن الموت ليس عدماً، بل هو انتقال من ضيق السجن إلى سعة الفضاء. وأشراط الساعة هي بمثابة هدم لجدران السجن الكونية. إن ميكانيكا الساعة هي عملية تصفية للمؤمنين، حيث يتم استخراج “جوهر الصدق” من بين ركام الفتن. (مَّا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَىٰ مَا أَنتُمْ عَلَيْهِ حَتَّىٰ يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ). فالفشل في الاختبارات المادية والفتن الدجالية هو فشل في العبور، بينما النجاح هو إعلان لجهوزية الماهية للخلود.
رابعاً: العبور السرمدي وتهيئة الماهية
الهدف النهائي من تليولوجيا الانطواء هو “العبور”. الروح البشرية خُلقت للأبد، والدنيا هي ممر ضيق جداً. عندما تكتمل علامات الساعة، يكون الوعي الجمعي للبشرية قد وصل إلى نقطة اللاعودة. هنا تبدأ النفخة الأولى، نفخة الصعق، وهي اللحظة التي تنتهي فيها “الغيرية” المادية تماماً.
يقول الله تعالى: (وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَمَن فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَن شَاءَ اللَّهُ ۖ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَىٰ فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنظُرُونَ). في هذه اللحظة، يتم استرداد الروح من حالة التشتت في العالم المادي إلى حالة الجمع في الحضرة الإلهية. إن تهيئة الماهية تعني تخليصها من شوائب “الأنا” وشهوات الطين، لتقف أمام ملك الملوك بقلب سليم.
عناصر تهيئة الماهية للعبور:
- الزهد الواعي: ليس بترك الدنيا كلياً، بل بعدم السماح لها بالتغلغل في الهوية.
- الذكر الكثيف: وهو حبل الاتصال بالسرمدية وسط عالم زائل.
- الثبات القيمي: التمسك بالحق في زمن “انقلاب المعايير”، وهو أحد أبرز أشراط الساعة.
خامساً: الاستشراف الإيماني والوسطية الروحية
إن منهج عالم الدين المحقق لا يقف عند ترهيب الناس من الساعة، بل في تعليمهم كيف “يستثمرون” في الانطواء الكوني لرفع جودة حياتهم الروحية. إن المسلم يعيش بين الخوف والرجاء، يرى انهيار العالم المادي فيبكي خشية، ويرى اقتراب الوعد الحق فيستبشر شوقاً.
لقد علمنا النبي ﷺ أن قيام الساعة لا ينبغي أن يوقف العمل المادي المثمر، بل يجب أن يكون دافعاً له من منظور عبادي، فقال: “إن قامت الساعة وبيد أحدكم فسيلة، فإن استطاع أن لا يقوم حتى يغرسها فليفعل” (رواه أحمد). هذه هي قمة الوسطية؛ أن تدرك فناء الكون (الانطواء)، وتعمل فيه كأنه باقٍ، لتعبر منه إلى الأبدية (السرمدية) بقلب عامل مخلص.
الخاتمة: من الانطواء إلى الإشراق
في الختام، إن تليولوجيا الانطواء الكوني هي دعوة للعودة إلى الذات الحقيقية. إن أشراط الساعة ليست مجرد أخبار غيبية، بل هي خارطة طريق لتفكيك اغترابنا عن خالقنا. إنها تخبرنا أن هذا الوجود المادي هو مجرد “مصفوفة” مؤقتة، وأن الحقيقة الكبرى تكمن وراء حجاب الطي.
فلنستعد لهذا العبور السرمدي بتزكية النفوس، وبالنظر إلى تقلبات الزمان بعين البصيرة التي تدرك أن وراء كل اضطراب كوني حكمة إلهية تدفع بالروح نحو كمالها المنشود في جوار الرحمن. (وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۚ وَمَا أَمْرُ السَّاعَةِ إِلَّا كَلَمْحِ الْبَصَرِ أَوْ هُوَ أَقْرَبُ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ).

اترك تعليقاً