مقدمة: آفاق الرحلة ومقام العلم
تقف رحلة نبي الله موسى مع العبد الصالح الخضر -عليهما السلام- كواحدة من أعمق القصص القرآنية التي تفتح للإنسان أبواب الفهم عن الله وعن سننه في خلقه. إنها ليست مجرد حكاية عن رحلة بحث عن علم، بل هي تجسيد للصراع الأزلي بين “عقلانية الإنسان القاصرة” وبين “الحكمة الإلهية المطلقة”. في هذه الرحلة، نحن أمام جدلية (الظاهر) الذي تدركه الحواس وتحاكمه العقول، و(الباطن) الذي يستأثر الله بعلمه أو يطلعه على من يشاء من عباده.
يقول الله تعالى في وصف هذه اللحظة التأسيسية: (فَوَجَدَا عَبْدًا مِّنْ عِبَادِنَا آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِّنْ عِندِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِن لَّدُنَّا عِلْمًا) [الكهف: 65]. إن تقديم الرحمة على العلم هنا إشارة ربانية إلى أن العلم الإلهي ليس سياطاً تجلد القلوب، بل هو رحمة تنتشل الإنسان من حيرته، حتى وإن بدت الوسائل في ظاهرها مؤلمة.
المحطة الأولى: خرق السفينة أو “الابتلاء بالخسارة الجزئية”
بدأت الرحلة بشرط غريب وضعه الخضر: (قَالَ فَإِنِ اتَّبَعْتَنِي فَلَا تَسْأَلْنِي عَن شَيْءٍ حَتَّىٰ أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْرًا) [الكهف: 70]. وفي أول اختبار، قام الخضر بخرق سفينة لمساكين يعملون في البحر. هنا تحركت في موسى -عليه السلام- نزعة العدالة الظاهرة، فكيف يُجازى المحسن بالإساءة؟ (قَالَ أَخَرَقْتَهَا لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا إِمْرًا) [الكهف: 71].
كان الظاهر هنا هو التخريب والضرر، لكن الباطن كان الحماية والنجاة. لقد كان هناك مَلِكٌ يغتصب كل سفينة صالحة، فكان “العيب” هو الدرع الذي صان السفينة من المصادرة. ومن هنا نتعلم أن بعض النقص في أموالنا أو صحتنا قد يكون هو السبب الحقيقي وراء حماية أصل النعمة، فربما سلبك الله شيئاً ليمنع عنك شراً أكبر، كما جاء في الحديث الصحيح: “عجبًا لأمرِ المؤمنِ، إنَّ أمرَه كلَّه خيرٌ…” (رواه مسلم).
المحطة الثانية: قتل الغلام أو “فلسفة المصيبة في المحبوب”
تعتبر هذه المحطة الأقسى في الرحلة، حيث أقدم الخضر على قتل غلام. هنا لم يتمالك موسى نفسه: (أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ لَّقَدْ جِئْتَ شَيْئًا نُّكْرًا) [الكهف: 74]. الظاهر هنا هو الموت وضياع الحياة، وهو أمر تنفر منه الفطرة والعقل. ولكن، خلف هذا الفعل، كمنَتْ رحمة إلهية مزدوجة.
بين الخضر الحكمة لاحقاً: (وَأَمَّا الْغُلَامُ فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ فَخَشِينَا أَن يُرْهِقَهُمَا طُغْيَانًا وَكُفْرًا) [الكهف: 80]. لقد كان قتل الغلام حمايةً لدين الأبوين، وحمايةً للغلام نفسه من الوقوع في الكفر، واستبدالاً بخير منه: (فَأَرَدْنَا أَن يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيْرًا مِّنْهُ زَكَاةً وَأَقْرَبَ رُحْمًا) [الكهف: 81]. إنها دعوة للتسليم بأن لله حكماً في قبض الأرواح وفقد الأحبة، غائبة عن مداركنا المحدودة، وأن “المنع” في حقيقته هو عين “العطاء”.
المحطة الثالثة: إقامة الجدار أو “العمل الصامت بلا مقابل”
في القرية التي استطعم أهلها فأبوا أن يضيفوهما، وجد الخضر جداراً يكاد ينهار فأقامه. تعجب موسى: (لَوْ شِئْتَ لَاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا) [الكهف: 77]. الظاهر هنا هو جهد ضائع في حق قوم لئام، لكن الباطن كان وفاءً إلهياً لصلاح الآباء: (وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا) [الكهف: 82].
الحكمة هنا هي استمرارية أثر الصلاح؛ فالله لا يضيع أجر المحسنين، وقد يحفظ الله الأبناء بصلاح الآباء في غيبتهم. إن بناء الجدار يمثل القدر الذي يسوق الخير للإنسان من حيث لا يحتسب، ومن خلال أشخاص قد لا يعرفهم، فقط لأن الله تعالى أراد أن يحفظ له حقاً موروثاً.
فلسفة التسليم: لماذا لا نعلم الباطن؟
إن قصة موسى والخضر تضعنا أمام حقيقة كبرى: أن الصبر يحتاج إلى إحاطة بالعلم، وبما أننا لا نحيط بكل شيء علماً، فإن بديلنا هو (التسليم). يقول الخضر لموسى: (وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَىٰ مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْرًا) [الكهف: 68].
التسليم ليس استسلاماً سلبياً، بل هو فعل إيماني واعي يقوم على الثقة بأسماء الله وصفاته. فإذا كان الله هو “اللطيف”، فلطفه يسري في أقداره وإن بدت قاسية. وإذا كان هو “الحكيم”، فلا عبث في تقديره. الحكمة الإلهية هي النسيج الذي يربط بين خيوط الوجود، وما نراه نحن ثقوباً في الثوب (كخرق السفينة) قد يكون هو سر جماله وحمايته.
أثر استحضار قصة موسى والخضر في حياتنا المعاصرة
في عالمنا اليوم، تزداد الحيرة أمام النوازل والابتلاءات العامة والخاصة. إن قراءة هذه القصة بعين “الظاهر والباطن” تمنح المؤمن توازناً نفسياً فريداً، وتتجلى هذه الفوائد في النقاط التالية:
- التحرر من ضيق اللحظة: نحن نعيش في “الآن”، بينما قدر الله يمتد في “الزمان والمكان”. ما تراه اليوم خسارة، قد تراه بعد عشر سنوات كأكبر مكسب في حياتك.
- التوقف عن إساءة الظن بالقدر: القصص الثلاث تبرهن أن الله يدبر الأمر من حيث لا ندري، وأن الشر المحض لا وجود له في أفعال الله تعالى.
- أدب التعامل مع المصائب: نلحظ في لغة الخضر أدباً رفيعاً مع الله، فعندما تحدث عن العيب قال: (فَأَرَدتُّ أَنْ أَعِيبَهَا)، وعندما تحدث عن الخير الكلي والبناء قال: (فَأَرَادَ رَبُّكَ أَن يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا).
خاتمة: تأملات في قول الخضر “ذَٰلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِع عَّلَيْهِ صَبْرًا”
انتهت الرحلة بالفراق، لكنها لم تنتهِ في وجدان الأمة. إن قوله تعالى: (وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي) [الكهف: 82] هو الكلمة الفصل التي تنهي الجدال؛ فالخضر كان ينفذ مشيئة إلهية محضة، ليعلمنا أن خلف الستار يداً رحيمة ترتب لنا أفضل مما نرتبه لأنفسنا.
يا أيها الإنسان، إذا تأخر رزقك، أو فقدت حبيباً، أو سُلب منك حق، تذكر سفينة الخضر، وغلامه، وجداره. تذكر أن الله لا يقضي للمؤمن قضاءً إلا كان خيراً له. إن مفتاح الراحة يكمن في قولنا: “رضيت بالله رباً”، والرضا بالرب يقتضي الرضا بفعله، واليقين بأن “باطن الأقدار أجمل بكثير من ظاهرها”.
نسأل الله أن يرزقنا قلباً شاكراً، ونفساً مطمئنة، ويقيناً يجعلنا نرى المنع عطاءً، والابتلاء اصطفاءً. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

اترك تعليقاً