جزيرة إبستين: سقوط أقنعة الإلحاد والنسوية والحل الإسلامي

# جزيرة إبستين: حين يسقط قناع الحضارة المادية وتنكشف عورة الإلحاد

في عالمٍ بات يمجد المادة ويقدس الشهوة، تبرز فضيحة “جزيرة إبستين” ليس كجريمة جنائية عابرة، بل كزلزال قيمي كشف العوار الأخلاقي الذي تعيشه المنظومة الغربية المعاصرة. إن ما حدث في تلك الجزيرة المنعزلة لم يكن مجرد ممارسات شاذة، بل كان تجسيداً حياً لالتقاء الإلحاد بالنسوية المتطرفة بالنظرة المادية للإنسان، حيث يتحول البشر إلى مجرد أدوات للمتعة، وتذوب كل المعايير الأخلاقية أمام سطوة المال والنفوذ.

وهم التهذيب بالموسيقى والفنون

لطالما روجت الفلسفات المادية لفكرة أن الفنون، وخاصة الموسيقى الكلاسيكية، هي الكفيلة بتهذيب النفس البشرية والارتقاء بها بعيداً عن الغرائز البدائية. وجيفري إبستين نفسه كان عازف بيانو محترفاً، يتلذذ بالألحان الرقيقة في الوقت الذي كان فيه يدير أبشع شبكة لاستغلال القاصرات.

إن هذا التناقض الصارخ يثبت أن الجمال الخارجي والفن المجرد لا يمكن أن يكون بديلاً عن “تزكية النفس” بالإيمان. فالموسيقى التي زعموا أنها تهذب النفس، لم تمنع صاحبها من السقوط في وحل الدناءة. وهنا تبرز الحقيقة القرآنية الخالدة؛ أن النفس إن لم تُلجم بلجام التقوى، فإنها تصبح “أمارة بالسوء” مهما بلغت من الثقافة أو التذوق الفني.

النسوية: حين يصبح الشعار غطاءً للجريمة

من أعجب مفارقات هذه القضية أن شريكة إبستين، غيلين ماكسويل، كانت تقدم نفسها كـ “ناشطة نسوية” بارزة، وأسست نادياً نسوياً تحت مسمى “نادي كيت كات”، يرفع شعارات حقوق المرأة وتمكينها.

لقد كشفت التحقيقات أن هذا النشاط النسوي لم يكن إلا ستاراً لجذب الفتيات وتسهيل استغلالهن. إن النسوية التي تنادي باستقلال المرأة التام عن الضوابط الفطرية والشرعية، انتهت هنا بتحويل المرأة إلى صائدة لغيرها من النساء. إن جميع الفتيات اللواتي وقعن ضحايا في تلك الجزيرة هن في الحقيقة مفرزات لثقافة “تمكين المرأة واستقلالها” بمفهومها الغربي المنفلت، الذي نزع عن الأنثى حماية الأسرة والولاية الشرعية، وتركها لقمة سائغة في سوق النخاسة الحديثة تحت مسميات الفن وعروض الأزياء.

أصنام الإلحاد الجديد تحت أقدام إبستين

لقد كان رموز تيار “الإلحاد الجديد” ضيوفاً دائمين ومقربين من إبستين. هؤلاء الذين صدعوا رؤوسنا بشعار “ديني هو الإنسانية”، وجدوا في جزيرة الرذيلة مستقراً لهم. ومن أبرز هؤلاء لورانس كراوس، الذي طالما هاجم الإسلام وادعى صدمته من سياسات الفصل بين الجنسين في المجتمعات المسلمة، واصفاً إياها بالتخلف.

بيد أن المراسلات المسربة كشفت أن كراوس لم يكن إلا “لاعقاً لحذاء إبستين”، بل إن إبستين نفسه كان يسخر منه باستمرار في دوائره الخاصة. إن هذا السقوط لرموز الإلحاد يثبت أن الإنسانية التي يدعونها ليست سوى شعار أجوف، ففي غياب الرقابة الإلهية، تصبح “الإنسانية” مجرد تبرير للميول الشخصية، وتتحول الأخلاق إلى نسبية تتبدل بتبدل المصالح والشهوات.

وكالات عرض الأزياء: فنون أم تجارة أجساد؟

لطالما دافع الغرب عن وكالات عرض الأزياء باعتبارها مراكز للفن والجمال، بعيدة كل البعد عن التفكير الجنسي الضيق. لكن فضيحة إبستين أثبتت أن هذه الوكالات كانت الممول الأكبر للقاصرات إلى الجزيرة.

إن تحويل جسد المرأة إلى سلعة تعرض في الأسواق تحت مسمى “الموضة” هو الذي مهد الطريق لهذه الكارثة الأخلاقية. فالمجتمع الذي يرفض الحجاب ويستهزئ بالستر، هو نفسه المجتمع الذي شرعن تسليع المرأة، حتى وصل الأمر إلى المتاجرة بالأطفال والقاصرات تحت ستار “الفن”.

صرخة نيتشه التي لم يفهمها العالم

في خضم هذا العار التاريخي، تبرز كلمة الملحد العدمي فريدريك نيتشه في كتابه “عدو المسيح” كشهادة حق نطق بها لسان حال الواقع المرير. لقد أطلق نيتشه صرخة مدوية حين قال بالحرف:

> “يجب على أوروبا أن تسجد للمسلمين؛ لقد حرمتنا أوروبا من الإسلام”.

لقد أدرك نيتشه، رغم إلحاده، أن المنظومة الغربية تتجه نحو هاوية أخلاقية لا مخرج منها، وأن الإسلام هو الدين الوحيد الذي يمتلك نسقاً قيمياً صلباً يحمي الإنسان من نفسه ومن تغول شهواته. إن العالم اليوم، وهو يرى فضائح النخبة العالمية في جزيرة إبستين، يدرك يقيناً أنه لم يبق أمل للبشرية إلا في العودة إلى رحاب الإسلام وضوابطه.

تهافت الملحد العربي وأزمة المعيار

منذ اندلاع هذه الفضائح، والملحدون العرب يعيشون حالة من الهياج والاضطراب. وبدلاً من مواجهة الحقيقة، لجأوا إلى مغالطة “وأنت أيضاً”، محاولين البحث عن أخطاء لبعض المنتسبين للإسلام للتعمية على السقوط المدوي لمنظومتهم الإلحادية.

وهنا نوجه السؤال لكل ملحد عربي: هل يمكنك تجريم ما حصل في جزيرة إبستين من منظور إلحادي بحت؟
إن الإلحاد، في جوهره، لا يمتلك معياراً أخلاقياً موضوعياً لتوصيف ما حدث على أنه “جريمة” أو حتى “خطأ”. فإذا كان الإنسان مجرد تطور بيولوجي صدفوي، ولا وجود لحساب أو جزاء أخروي، فبأي حق يُمنع القوي من افتراس الضعيف لإشباع غريزته؟

إن الحقيقة المرة هي أنه لا يوجد إلحاد حقيقي في بلاد العرب، بل هم مجرد مرتزقة يحاربون الإسلام دون فهم حتى لأصول وفلسفة إلحادهم التي تجعل من القوة واللذة المعيار الوحيد للوجود.

المبنى الأزرق وعبادة الشيطان

لم تكن الجزيرة مجرد ملهى للرذيلة، بل كانت مكاناً يفوح برائحة الطقوس الوثنية والممارسات الشيطانية. فالمبنى الأزرق الغامض، الذي أطلقوا عليه “مبنى الموسيقى”، عُرف في الأوساط الخاصة بـ “بيت الشيطان”.

وتشير التقارير إلى أنه جرى بداخله تقديم الأطفال كقرابين رمزية أو فعلية للإله الوثني “بعل”، وهو رمز شيطاني قديم. إن هذا يوضح أن الانفلات من عبودية الله الواحد لا يقود إلى الحرية، بل يقود بالضرورة إلى السقوط في عبودية الشيطان وأحط أنواع الوثنية.

الختام: الوصية الإلهية هي المنجاة

إن الدرس الأكبر من فاجعة جزيرة إبستين هو أن “الشهوة لا قاع لها”. وكل ما حصل في تلك الجزيرة هو نتاج شهوة مسعورة لا تطمع يوماً أن تُشبع، بل كلما نالت من الحرام شيئاً طمعت في ما هو أشد منه نكراً.

لذلك، كانت الوصية الإلهية المتكررة في القرآن الكريم بالتقوى وغض البصر هي طوق النجاة الوحيد. يقول الله تعالى: {قُل لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ۚ ذَٰلِكَ أَزْكَىٰ لَهُمْ}.

إنك لن تنال الرضا النفسي، ولن تهدأ ثورة غريزتك، ولن تتحقق كرامتك الإنسانية إلا بالخضوع لأمر الله. إن غض البصر والتقوى ليسا قيوداً على الحرية، بل هما الحصن الحصين الذي يحمي الفرد والمجتمع من التحول إلى وحوش بشرية في غابة مادية لا ترحم.

لقد فضحت جزيرة إبستين العالم بأسره، ولم يعد هناك مجال للمواربة؛ فإما قيم الوحي التي تحفظ للإنسان كرامته، وإما ظلمات الإلحاد والشهوات التي تنتهي في دهاليز “بيت الشيطان”.

بقلم: فيصل بن تركي

المصدر: طريق الإسلام

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *