# جوهر السعادة: معركة الإرادة في زمن الانفلات
إن أعظم مأساة قد يمر بها الإنسان في رحلته الوجودية ليست فقدان المال أو ضياع الجاه، بل هي تلك اللحظة التي يشعر فيها بأنه قد فقد الزمام؛ فشلٌ ذريع في الإمساك بزمام الذات، وانفلاتٌ كامل لدفة القيادة من بين يديه. يكتب الشيخ عبد الله الوهيبي واصفاً هذا المشهد بأنه “أكثر مشهد إنساني موجع”، وهو صدقٌ لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، فما من وجع يضاهي وجع الروح حين ترى جسدها ينساق لحتفه وهي واقفة تنظر بعجز.
المشهد الموجع: حين تغيب الإرادة
تتجلى هذه المشاهد المؤلمة في صور شتى، لعل أقساها وأكثرها وضوحاً هي حالة الإدمان المؤسف بمختلف أشكاله. لا نتحدث هنا فقط عن المواد المخدرة التي تذهب بالعقل وتفتك بالبدن، بل يمتد الأمر ليشمل كل ما استعبد الإنسان واستلب إرادته؛ سواء كان إدماناً مسموعاً، أو مرئياً، أو أي نوع آخر من التعلق المرضي الذي يجعل الإنسان عبداً لعادة أو مادة.
إنها اللحظة التي تسيطر فيها الشهوة أو العادة فتصبح هي القائد، ويتحول الإنسان فيها إلى تابع ذليل. تظهر هذه الحالة أيضاً في لحظات الحب الجارف الذي يتجاوز حدود العقل والمنطق، وفي المراحل المتقدمة من أزمات الاكتئاب التي تشل حركة الروح، وفي وسط الانغماس المحموم في الملذات المتتابعة التي لا تشبع جوعاً ولا تروي ظمأً، بل تزيد صاحبها عطشاً وتيهاً.
سجن الذات وتغريب الروح
إن انفلات الإرادة والفشل في السيطرة على السلوك يورث صاحبه شعوراً قاتلاً بقلة الحيلة. يقف الإنسان أمام جبروت نوازعه الداخلية كأنه غريب عن نفسه، بل إنه قد يحس في لحظات الصدق المريرة بأن جسده هذا ينتمي لقلب آخر، ويسكنه روح لا يعرفها. تتحول أفعاله إلى حتميات لا يمكن منعها من الحدوث، وينحدر تدريجياً ليصبح آلة صماء، محكومة ببرمجة داخلية مشوهة، لا تقبل التوجيه، ولا تنتفع بإرشاد، ولا تسمع لنداء عقل أو ضمير.
والمؤلم حقاً، والممرض للقلب، هو أن يكون هذا الإنسان ليس عارفاً بضرره فحسب، بل خبيراً بالخطر الذي يغطس فيه. هو يرى الهاوية، ويعرف عمقها، ويدرك تماماً سوء المصير، ومع ذلك يجد نفسه مكبل اليدين، مكتوف العزيمة، كأنه يساق إلى الموت وهو ينظر.
إعادة تعريف السعادة: القوة لا اللذة
في خضم هذا التيه، يبرز تساؤل جوهري: ما هي السعادة حقاً؟ هل هي في إشباع تلك النوازع؟ هل هي في الاستجابة لكل نداء داخلي يطلب المتعة؟
إن السعادة في عمقها الجوهري تكمن في “قوة الإرادة”. السعادة هي تلك القدرة الفائقة على التحكم بالنفس، وفي ضبط الشعور، وتنظيم النوازع. إنك حين تملك لجام نفسك، وتقودها نحو ما ينفعك، وتمنعها عما يضرك؛ فأنت حينها تعيش أسمى درجات السعادة. السعادة هي أن تكون أنت السيد في مملكة نفسك، لا أن تكون عبداً مأموراً لنزوات عابرة أو عادات مدمرة.
رسالة تعاطف ومساندة
إلى كل من يجد نفسه عالقاً في تلك الأوحال، إلى كل من يشعر بأن إرادته قد انكسرت أمام ضغط الواقع أو ثقل العادة: اسمح لي بأن أتعاطف معك بكل جوارحي. إننا نشد على يديك، ونربت على كتفيك، لأن حالك تثير الشفقة والرحمة فعلاً. إن الشعور بالعجز أمام الذات هو سجن لا جدران له، ولكنه أضيق من سم الخياط.
لكن التعاطف وحده لا يكفي، والشفقة لا تصنع تغييراً. عليك أن تدرك أن الغالبية العظمى ممن يعيشون هذه الحالة لا يمكنهم الخروج منها بمفردهم. إن النفس إذا استمرأت السقوط، تحتاج إلى يد خارجية تنتشلها. لابد من تدخل الآخرين؛ أمٍّ حانية، أبٍ حكيم، أقارب مخلصين، أصدقاء صدق، أو حتى طبيب ومستشار متخصص. طلب المساعدة ليس ضعفاً، بل هو أول خطوات القوة واستعادة الإرادة.
خارطة الطريق نحو الخلاص
إذا أردت العودة، فعليك بالخطوات العملية التي تكسر طوق العزلة والجمود:
1. تغيير البيئة (فتح النافذة والخروج من الباب): لا يمكن أن تتوقع نتائج مختلفة وأنت تمارس نفس الأفعال في نفس المكان ومع نفس الأشخاص. تغيير المكان والزمان هو تدمير للروتين الذي يغذي الحالة السلبية. اخرج إلى فضاءات جديدة، واستنشق هواءً لم تلوثه ذكريات الفشل.
2. تدمير الروتين القاتل: الروتين هو الحاضنة الكبرى للعادات السيئة. اكسر نظام يومك، غير عاداتك البسيطة، اصنع لنفسك جدولاً جديداً يربك برمجة الانفلات السابقة.
3. تعميق الروابط الاجتماعية والعاطفية: الإنسان كائن اجتماعي بطبعه، والانعزال هو وقود الاكتئاب والإدمان. اقترب من الصالحين، من الذين يذكرونك بالله وبالجمال وبالقوة. الروابط العاطفية السوية هي الحبل الذي سيجذبك من قاع البئر.
4. الاعتراف بالتعقيد: ندرك تماماً أن القصة أكثر تعقيداً من مجرد نصائح تُكتب، وأن المعركة الداخلية شرسة وطويلة، ولكن لابد من البدء، ولابد من قول الحقيقة كما هي.
الملاذ الأخير واليقين الأكبر
ختاماً، وبعد بذل كل الأسباب البشرية، يبقى الركن الشديد الذي نأوي إليه جميعاً. إن الرب تبارك وتعالى هو القادر الوحيد على إنقاذنا من أوحال الطين التي قد نغرق فيها. هو سبحانه الذي يملك القلوب، ويصرفها كيف يشاء، ويحيي العظام وهي رميم، فكيف بقلبٍ أرهقه الهوى؟
لا تنسَ أبداً أن ترفع يديك بالدعاء، بصدق وافتقار، فمن استغاث بالله أغاثه، ومن اعتصم به هداه إلى صراط مستقيم. إن السعادة الحقيقية هي رحلة عودة إلى الله من خلال ضبط النفس وتزكيتها، وهي رحلة تستحق كل عناء.
تذكر دائماً: “جوهر السعادة في قدرتك على قول (لا) لنفسك حينما تقودك للهلاك، وقول (نعم) لروحك حينما تدعوك للحياة”.

اترك تعليقاً