الفصل الأخير في حياة قطب الإعلام
في زاوية معتمة من سجن “ستانلي” شديد الحراسة في هونغ كونغ، يجلس جيمي لاي، الملياردير الذي كان يوماً ما يتربع على عرش إمبراطورية إعلامية ضخمة، بوزنٍ أخف وصحةٍ تتآكل خلف القضبان. في عام 2022، زاره رفاق دربه رافائيل وونغ وفيغو تشان، ليجدوا الرجل الذي اعتاد على أفخر أنواع البيتزا والأرز يشتهي “الأرز بالزنجبيل المخلل”، في مشهدٍ يختصر التحول الدراماتيكي في حياة الرجل الذي تجرأ على تحدي التنين الصيني.
من حلم الشوكولاتة إلى مصانع الغناء
بدأت قصة جيمي لاي من قطعة شوكولاتة. عندما كان صبياً صغيراً في الصين تحت حكم ماو تسي دونغ، حمل حقيبة مسافر في محطة قطار، فكافأه المسافر بقطعة شوكولاتة كان طعمها كافياً ليدفع الصبي لسؤاله عن موطنه، ليجيب: “هونغ كونغ”. من تلك اللحظة، أصبحت المدينة في نظر جيمي “الجنة الموعودة”.
هرب جيمي من الفقر والقمع في الصين، ووصل إلى هونغ كونغ في قاع مركب صيد وهو في الثانية عشرة من عمره. بدأ حياته عاملاً بسيطاً في مصانع القفازات، لكن طموحه لم يعرف الحدود. تعلم الإنجليزية بجدية، وبحلول العشرينيات من عمره، كان يدير مصنعاً للمنسوجات، ثم أسس سلسلة متاجر “جيوردانو” الشهيرة، ليتحول إلى واحد من أنجح رجال الأعمال في الإقليم.
نقطة التحول: مذبحة تيانانمن
كان عام 1989 الحد الفاصل في حياة جيمي لاي. سحق الدبابات الصينية للمتظاهرين في ميدان تيانانمن أيقظ بداخله انتماءً سياسياً لم يكن قد أدركه من قبل. بدأ في استخدام متاجره لنشر رسائل مؤيدة للديمقراطية، وهاجم القادة الصينيين علانية، واصفاً إياهم بـ “الجزارين”. دفع جيمي الثمن سريعاً بإغلاق فروعه في الصين، مما اضطره لبيع حصصه والتحول إلى مجال الإعلام.
إمبراطورية “آبل دايلي” وسلاح الكلمة
في عام 1995، أطلق جيمي لاي صحيفة “آبل دايلي”، التي أحدثت ثورة في الصحافة بأسلوبها الشعبي الجريء وتغطيتها الاستقصائية. لم تكن مجرد صحيفة، بل كانت صوتاً صارخاً ضد الحزب الشيوعي الصيني وداعماً شرساً للحركات الديمقراطية. آمن جيمي لاي بأن “المستقبل للهواتف المحمولة” حتى قبل اختراع الآيفون، مما جعل موقعه الإلكتروني رائداً في التحول الرقمي.
المواجهة الكبرى وقانون الأمن القومي
مع اندلاع احتجاجات عام 2014 المعروفة بـ “ثورة المظلات”، ثم احتجاجات 2019 العنيفة، كان جيمي لاي في الصفوف الأولى للمتظاهرين. رفض الملياردير السبعيني الذي يحمل الجنسية البريطانية مغادرة هونغ كونغ، مؤكداً أنه يدين بكل ما يملك لهذه المدينة وأن السجن هو فرصته لرد الجميل.
في عام 2020، دخل قانون الأمن القومي الذي فرضته بكين حيز التنفيذ، ليتم اعتقال جيمي لاي بتهم متعددة، أخطرها “التآمر مع قوى خارجية”. المحكمة رأت في كتاباته ونشاطه “تحريضاً” و”كراهية شديدة للحزب الشيوعي”.
حكم بالإعدام الفعلي وسكينة السجن
في فبراير 2024، أصدرت المحكمة حكماً بالسجن لمدة 20 عاماً على جيمي لاي في محاكمة لم تستغرق سوى 30 دقيقة. نظراً لسنه الذي تجاوز السبعين، اعتبر الكثيرون هذا الحكم بمثابة “حكم إعدام” فعلي. ومع ذلك، ينقل زواره أنه وجد سكينة غير متوقعة في سجنه الانفرادي؛ حيث يقضي 6 ساعات يومياً في الصلاة ورسم صور للسيد المسيح، مؤكداً ثباته على مبادئه التي ضحى بإمبراطوريته من أجلها.
تظل قصة جيمي لاي تجسيداً للصراع المستمر بين الحرية والسلطوية، وبين حلم “هونغ كونغ البريطانية” والواقع الصيني الجديد، حيث غدت التفاحة التي قضمها جيمي يوماً ما في إعلاناته، رمزاً لمصير تراجيدي لملياردير اختار المبدأ على المال.
المصدر: BBC Arabic


اترك تعليقاً