حسم لغز استمر لنصف قرن: تلسكوب XRISM يكشف سر انبعاثات الأشعة السينية لنجم «غاما ذات الكرسي»

حسم لغز استمر لنصف قرن: تلسكوب XRISM يكشف سر انبعاثات الأشعة السينية لنجم «غاما ذات الكرسي»

مقدمة: النجم الذي أربك علماء الفلك لعقود

لطالما مثّل النجم «غاما ذات الكرسي» (γ Cas)، وهو نجم ساطع يمكن رؤيته بالعين المجردة ضمن كوكبة «ذات الكرسي»، لغزاً محيراً في الأوساط العلمية. منذ عام 1976، أدرك الفلكيون أن هذا النجم يطلق أشعة سينية تفوق في شدتها وحرارتها ما هو متوقع من النجوم الضخمة المماثلة بنحو أربعين مرة. تصل درجة حرارة البلازما المسؤولة عن هذه الانبعاثات إلى أكثر من 100 مليون درجة مئوية، وهي تتغير بشكل متسارع وغير مفهوم.

يُصنف «غاما ذات الكرسي» كأول نجم من فئة (Be) يتم تحديده في التاريخ، وهي نجوم ضخمة تتميز بدورانها المغزلي السريع وقذفها المستمر للمادة التي تشكل قرصاً حولها. وعلى مدار العشرين عاماً الماضية، اكتشف العلماء حوالي عشرين نجماً تظهر سلوكاً مشابهاً، أُطلق عليها اسم «أشباه غاما ذات الكرسي»، وقد لعب باحثو جامعة لييج دوراً محورياً في تحديد أكثر من نصف هذه الأجرام، لكن المحرك الأساسي لهذه الطاقة الهائلة ظل مجهولاً حتى الآن.

المنهجية العلمية: تكنولوجيا XRISM تنهي الجدل

لحل هذا الغموض، لجأ فريق دولي من الباحثين بقيادة جامعة لييج البلجيكية إلى استخدام أداة (Resolve) فائقة الدقة، وهي مِكشاف حراري مجهري (microcalorimeter) على متن تلسكوب (XRISM) الفضائي الياباني. تم جمع البيانات خلال ثلاث فترات زمنية رئيسية في عام 2025، تغطي الدورة المدارية الكاملة للنظام التي تستغرق 203 أيام.

كانت الفرضيات المتنافسة تنقسم إلى مسارين: الأول يرى أن الانبعاثات ناتجة عن تفاعل مغناطيسي محلي بين سطح النجم (Be) والقرص المحيط به؛ والثاني يرجح وجود رفيق نجمي خفي (قزم أبيض، أو نجم نيوتوني، أو نجم مجرد من طبقاته الخارجية) يسحب المادة ويولد تلك الطاقة. وبفضل الدقة الطيفية الاستثنائية لـ XRISM، تمكن العلماء من قياس إزاحة السرعة في طيف البلازما فائقة السخونة. وأظهرت النتائج بوضوح أن هذه الإزاحات تتبع الحركة المدارية لرفيق مدمج صغير، وليس النجم الضخم نفسه، مما يقدم أول دليل مباشر على أن مصدر الأشعة السينية هو الجرم المرافق.

الأهمية العلمية: الكشف عن قزم أبيض مغناطيسي

لم يقتصر الاكتشاف على تحديد وجود الرفيق، بل كشف عن طبيعته الفيزيائية. أظهرت القياسات أن العرض الطيفي للإشارات يبلغ حوالي 200 كم/ثانية، وهي سرعة متوسطة تستبعد وجود قزم أبيض غير مغناطيسي. في حالة الأقزام البيضاء غير المغناطيسية، تسقط المادة عبر المناطق الداخلية للقرص بسرعة دوران هائلة، مما ينتج إشارات طيفية أوسع بكثير.

تشير هذه النتائج إلى أن الرفيق هو «قزم أبيض مغناطيسي»، حيث يعمل مجاله المغناطيسي القوي على قطع القرص المحيط به وتوجيه المادة المتساقطة مباشرة نحو أقطابه المغناطيسية. هذا الاكتشاف يؤكد وجود فئة من الأنظمة الثنائية المكونة من (نجم Be + قزم أبيض)، وهي فئة تنبأت بها النماذج النظرية منذ أمد بعيد ولكنها لم تُلاحظ بوضوح قط حتى هذه الدراسة المنشورة في دورية Astronomy & Astrophysics.

الآفاق المستقبلية وتطوير نماذج التطور النجمي

يفتح حل لغز «غاما ذات الكرسي» آفاقاً جديدة في فهم تطور الأنظمة النجمية الثنائية. فقد كشفت الدراسة عن فجوة بين النماذج النظرية والواقع؛ حيث تمثل هذه الأنظمة حوالي 10% من نجوم (Be) الضخمة، بينما كانت النماذج تتوقع انتشاراً أكبر واتصالاً أقوى بالنجوم ذات الكتلة الأقل.

تؤكد الباحثة «يايل نازي» من جامعة لييج أن هذا التباين يستوجب مراجعة شاملة لنماذج تطور النجوم الثنائية، خاصة فيما يتعلق بكفاءة انتقال الكتلة بين المكونات. إن فهم هذه العمليات يعد أمراً حيوياً ليس فقط في الفيزياء النجمية، بل أيضاً في دراسة موجات الجاذبية، كون الأنظمة الثنائية الضخمة هي المصدر الرئيسي لهذه الموجات عند وصولها إلى نهاية عمرها وتصادم مكوناتها المدمجة.


المصدر العلمي: ScienceDaily

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *