مقدمة: رياح الإصلاح ومنهج الوسطية
إنَّ حديثَ النَّاس في هذه الأيام يضج بمصطلحات الإصلاح والانفتاح، والبناء والتَّسامح، والتعاون ونَبذ الخلافات. الكل يدعو إلى محاربة الظُّلم والعدوان والفساد والإقصاء، وينادي بانتهاج منهَج الوَسَطيَّة والاعتدال. وهذا الحديث عن الإصلاح هو بلا شك حديثٌ ذو شجون، لا يحصُرُه مقام ضيق، ولا تحيط به كلمات عابرة، وإن كان لزاماً على أهل العلم والمصلحين وأصحاب الرأي أن يتصدوا لبيان أُسُسه ورسم مَعَالمه، وانتهاج دروبه ومسالكه الصحيحة.
ومِن المأساة التي نعيشها اليوم، أن بعض المتحدِّثين عن الإصلاح والانفتاح من أصحاب الرَّأي والفكر والثقافة يسوء فهمُهم، أو يضطرب تفسيرُهم، أو تزل عبارَتُهم، سواء كان ذلك بقصدٍ أو بغير قَصْد، مما يؤدي إلى خلط المفاهيم وتشويه الحقائق الثابتة في وجدان الأمة.
اليقين الراسخ والكرامة الإنسانية
إنَّ لدى كلِّ مسلمٍ -ولله الحمد- يقينًا صادقًا وعقيدةً راسخةً بأنَّ الإسلام قد كفَل لأتباعه، أفرادًا ومجتمعات وأمَّة، السَّعادةَ والكرامةَ في الدُّنيا، وحُسنَ الثَّواب في العُقْبَى. هذا الضمان الإلهي مشروط بالتمسُّك بالدين والالتزام بهدي النبي الكريم محمَّد صلَّى الله عليه وسلَّم. إن الحفاظ على الدِّين والاستمساك بالهُوِيَّة الإسلاميَّة لن يتحقَّق إلا بانتماء المسلمين الصَّادق لدِينهم، وهو انتماء مبنيٌّ على صحَّة المعتقد، وحُسن الاتِّباع، وصدق الالتزام بأحكام الشَّرع قولاً وعملاً واعتقادًا.
وأمام هذه الثوابت، وفي ظل سعة الموضوع وتشعبه، نجد أنَّ من الضروري اختيار نموذجٍ ذي دلالاتٍ عميقة يوضِّح المقصود ويبيِّن المراد، وهو نموذج الوَسَطِيَّة في شأن المرأة وحقوقِها ومشكلاتها. إنها وسطيَّةٌ تجمع بين تحكيم نصوص الشَّرع المطهَّر، والخلاص من مذموم العادات وسيِّئ التقاليد؛ وسطيَّةٌ تميِّز الأصالةَ والثوابت عما ليس منها، وتنفي عن المعاصر والجديد ما ليس من لوازمه.
حقوق المرأة: بين الشعارات البراقة والحقيقة الضائعة
إن شعار “حقوق المرأة” كلمةٌ طالما ترددت على الألسنة، وازدانت بها المقالات والصفحات، وكثرت حولها المحاضرات والمحاورات. ولكن، حين نأتي إلى مضمون هذه الحقوق، نجدها في كثير من الأحيان تتسم بالهُلاميَّتة والفضفاضيَّة. بل إنَّ كثيرًا من الطُّرُوحات المعاصرة تظهر ضائعةً مبعثَرَةً بين دعاوَى المدَّعين، وأهواء أصحاب الميول الفكرية المنحرفة، وقد لا تخلُو بعض هذه الطروحات من تمييعٍ ونفاقٍ وغموض.
إنَّ عدم الوضوح في الغاية والمراد جعل النَّاصحين وغيرَ النَّاصحين يدورُون في حَلْقاتٍ مُفْرَغَة، مما أدى إلى ضياع الحقيقة، وتبَعثُر الجهود في مناقشات سُفُسْطائيَّة لا تغني من الحق شيئاً. والحقيقة التي لا مراء فيها هي أنَّ للمرأة حقوقًا كما أنَّ للرجل حقوقًا، وعليها واجبات كما عليه واجبات، ومن أوجب الواجبات تبصير المرأة بحقوقها الشرعية، ومساعدتها في تحصيلها وحمايتها. إنَّ مِن تفقُّهها في دينها أن تعلَمَ أنَّ المطالبة بحقوقها أمام أبيها وأخيها وزوجها ليس منافياً للحياء أو حسن الخلق، بل هو إقامة للعدل الذي أمر الله به.
صور من الظلم الواقع وضرورة الإصلاح
لا يمكننا أن نغفل عن وجود ممارسات ظالمة جائرة في بعض ديار المسلمين، وهي ممارسات يجب النظر فيها بجدية وإعطاؤها الأولوية في المعالجة. إنَّ المرأة في بعض البيئات تعاني من صورٍ شتى من القهر والإقصاء والتهميش؛ سواء في تربيتها، أو في بيت زوجيَّتها، أو في حقها في النفقة والحضانة والعدل في المعاملة.
وهناك صور مؤلمة من التسلُّط على ممتلكاتها، وسلب حقِّها في اتِّخاذ القرار في شؤونها الخاصة. ومن أعظم الظلم:
- حرمانها من حقها الشرعي في الميراث.
- التلاعب في توزيع الثروة والمِنَح والعطايا.
- وقوع حالات من الضرب والقهر والعَضْل (منعها من الزواج).
- نكاح الشغار والممارسات التعسفية خلف جدران البيوت.
- إعلام يعزز دور المرأة الإيجابي في البناء والتنمية الشاملة.
- إعلام يؤكد حقها في التعليم والعمل الوظيفي الملائم لطبيعتها.
- إعلام يقاوم استغلال المرأة كبضاعة لتسويق المنتجات أو المتاجرة بجسدها وعرضها.
إنَّ هذه القضايا لا يجوز السكوت عليها، بل يجب تشجيع المرأة ودعمها لرفع الظلم عنها عبر القنوات الشرعية والاجتماعية، من خلال الحكماء من أقاربها أو القضاة والمسؤولين. إنَّ إقصاء المرأة أو احتقارها هو هدم لكيان المجتمع، ولا يمكن إقراره أو الرضا به بأي حال.
فلسفة العمل بين تكريم الإسلام وإرهاق المادية
إنَّ الإسلام بحكمته البالغة لم يوجِب على المرأة مسؤوليةَ العمل خارج المنزل لتأمين معيشتها، بل جعل نفقتها واجبة على وليها أو زوجها. وهذا ليس تهميشاً لها، بل هو تحريرٌ لها من حتمية الكدح الذي قد يستعبدها أو يستغل أنوثتها. الإسلام لا يمنع عمل المرأة بضوابطه الشرعية، لكنه يحميها من أن تقع تحت وطأة الضرورة الاقتصادية التي تذل الأعناق.
تأملوا ما يجري في العالم المعاصر؛ حيث أصبح العامل الاقتصادي هو الإله المعبود والمحرك الوحيد للحياة. في هذا الميزان المائل، أصبحت المرأة مكلَّفة بإعالة نفسها كلياً، سواء كانت بنتاً أو زوجة. لقد ألقوا في روعها أنَّ من العيب أن ينفق عليها والدها أو زوجها، ودفعوها للركض اللاهث وراء المال لتحقيق أكبر قدر من المتعة المادية.
تحت سلطان هذه الفلسفة المادية:
1. تضطر المرأة للخروج كل صباح لمزاحمة الرجال في أعمال شاقة لا تتناسب مع طبيعتها.
2. تتقطع خيوط المودة والسكينة في الأسرة بسبب انشغال الجميع بالجمع والتحصيل.
3. تتعرض الأنوثة للدمار، والكرامة للامتهان، والحياء للذوبان في غمار الاختلاط والابتذال.
إنَّ غلبة الماديات تدمر الأسرة، ولا وجود للأسرة حقيقة إلا بالتضامن والوئام، ووضوح المسؤوليات بين الرجل والمرأة. إن إخراج المرأة من بيتها قسراً عبر الضغط الاقتصادي جعلها تقبل بأي عمل، حتى وإن كان في الأنفاق أو المناجم أو على أرصفة الشوارع في الهزيع الأخير من الليل، في مشاهد يشمئز منها العقلاء والأسوياء.
نحو إعلام مستنير وثقافة إسلامية رائدة
إننا بحاجة ماسة إلى ترشيد الطرح الإعلامي حول حقوق المرأة. يجب الفصل بين القناعات الشخصية لبعض الكتاب وبين ما هو حق وشرع. إننا نتحدث عن إعلام مسلم يسعى لتطهير مجتمعاتنا من إسقاطات المجتمعات المادية المتهالكة.
إنَّ العدل يقتضي توفير فهم واعي وناضج للدين، فقهٌ لا يخشى الجديد ولكنه يملك المناعة ضد الابتذال. نحن بحاجة إلى:
حذارِ أن تُقذف المرأة في بحار الضياع والهوان باسم الحرية الزائفة. استمعوا إلى قول الحق سبحانه وتعالى في سورة الأحزاب:
{إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا * وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالاً مُّبِينًا} [الأحزاب: 35 – 36].
الخاتمة: مسؤولية العلماء والمجتمع
إنَّ مطالبة صاحب الحق بحقه، رجلاً كان أو امرأة، هو أمر مشروع ومطلب صحيح، وإعانته على ذلك حق واجب. ولكن يجب أن يتم ذلك بمعايير صحيحة وضوابط دقيقة تضمن العدل والوسطية، وتحقق التوازن في الأسرة والمجتمع.
إنَّ الدعوات التي تظهر في بعض وسائل الإعلام للزج بالمرأة في كل ميدان دون احتياط أو تحفُّظ، هي دعوات تثير الريبة، وتوحي بالانجراف وراء فكر لا يقيم للشرع أو العفة وزناً. لذا، ينبغي للدول والأمم والأسر اتخاذ التدابير التي تضمن العمل الآمن للمرأة، وتحفظ توازن بيتها ومجتمعها.
وفي الختام، فإننا نثمن جهود علماء الشريعة وأهل الفقه الذين يحملون مشاعل الهدى، وينفون عن هذا الدين تحريف الغالين وانتحال المبطلين. إنهم يسعون جاهدين لرد الرأي العام إلى مصادر الشرع من الكتاب والسنة، مائلين مع الحق، مراعين مصالح العباد، لضمان العيش الكريم وحماية المجتمع من الفساد. فالجديد ليس مرفوضاً لذاته، والتقاليد ليست حاكمة على الشرع، بل الشرع هو الميزان والرباط الذي يضبط كل شؤون حياتنا.

اترك تعليقاً