حل لغز نووي عمره عقدان: كيف يُصنع الذهب في أعماق النجوم؟

حل لغز نووي عمره عقدان: كيف يُصنع الذهب في أعماق النجوم؟

مقدمة: الكيمياء الكونية وراء المعادن النفيسة

لطالما تساءل العلماء عن الأصول الحقيقية للعناصر الثقيلة مثل الذهب والبلاتين. فخلافاً للعناصر الخفيفة، لا يمكن لهذه المعادن أن تتشكل إلا في ظروف كونية بالغة القسوة، مثل انهيار النجوم أو انفجارات السوبرنوفا أو اصطدام النجوم النيوترونية. هذه الأحداث العنيفة تُحفز ما يُعرف بـ “عملية التقاط النيوترونات السريعة” (r-process)، حيث تمتص النواة الذرية النيوترونات بسرعة هائلة لتصبح أثقل وأكثر عدم استقرار، قبل أن تتحلل في النهاية إلى أشكال أخف وأكثر استقراراً. اليوم، وفي إنجاز علمي كبير، نجح فريق من علماء الفيزياء النووية بجامعة تينيسي (UT) في فك شفرة تحولات نووية ظلت مستعصية على القياس لمدة 20 عاماً، مما يفتح آفاقاً جديدة لفهم كيفية صياغة الذهب في الفرن الكوني.

المنهجية العلمية: البحث عن النوى النادرة في مختبر سيرن

للوصول إلى هذه النتائج، تعاون باحثو جامعة تينيسي مع مؤسسات دولية لإجراء تجارب في منشأة محطة اضمحلال ISOLDE التابعة للمنظمة الأوروبية للأبحاث النووية (CERN). ركز الفريق دراسته على نظير نادر للغاية وغير مستقر يسمى “الإنديوم-134”. إنتاج هذا النظير بكميات كافية يتطلب تكنولوجيا متقدمة وتقنيات فصل بالليزر لضمان النقاء.

عندما يخضع الإنديوم-134 للاضمحلال، فإنه يولد أشكالاً مثارة من القصدير (القصدير-134، 133، و132). وباستخدام كاشف نيوترونات متطور تم بناؤه في جامعة تينيسي بتمويل من مؤسسة العلوم الوطنية، تمكن العلماء من رصد وتحليل الطاقات الناتجة عن عملية “انبعاث النيوترونات المزدوجة المتأخرة عن بيتا”. كانت هذه هي المرة الأولى التي يتم فيها قياس طاقات النيوترونات المرتبطة بهذا النوع من الانبعاث في نواة تقع مباشرة على مسار عملية (r-process)، وهو تحدٍ تقني هائل نظراً لميل النيوترونات للارتداد، مما يجعل من الصعب تحديد ما إذا كان المنبعث نيوتروناً واحداً أم اثنين.

الأهمية العلمية: ثلاثة اكتشافات في دراسة واحدة

أثمرت هذه الدراسة عن ثلاث نتائج جوهرية تغير مفاهيمنا الحالية:

  • القياس الأول من نوعه: نجح الفريق في قياس طاقة انبعاث النيوترونات المزدوجة بدقة، وهو ما وصفه البروفيسور روبرت جرزيواج بأنه الاكتشاف الأهم، حيث يفتح مجالاً جديداً بالكامل في الفيزياء النووية التجريبية.
  • نواة القصدير التي “لا تنسى”: اكتشف العلماء حالة نيوترونية لجسيم واحد في القصدير-133 كان قد تم التنبؤ بها منذ فترة طويلة. خلافاً للاعتقاد السائد بأن النواة تفقد ذاكرة تكوينها (حالة الأمينيسيا النووية) بمجرد إطلاق النيوترونات لتبرد، أظهرت النتائج أن القصدير يحتفظ بـ “ظل” أو ذاكرة من أصل الإنديوم، مما يعني أن النماذج النظرية الحالية غير مكتملة.
  • تحدي النماذج الإحصائية: كشفت الدراسة أن توزيع الحالات المكتشفة لا يتبع الأنماط الإحصائية المتوقعة. في المناطق البعيدة عن الاستقرار النووي، يبدو أن الميكانيكا الإحصائية التقليدية التي تشبه “حساء البازلاء” لا تنطبق، مما يستدعي تطوير مقاربات نظرية جديدة لوصف الأنظمة الذرية المتطرفة.

التداعيات المستقبلية وآفاق البحث

تمثل هذه النتائج حجر زاوية لبناء نماذج محسنة للأحداث النجمية التي تخلق العناصر الثقيلة. من خلال فهم سلوك النوى الغريبة وتفاعلاتها، يمكن لعلماء الفلك والفيزياء الكونية التنبؤ بدقة أكبر بالتركيب الكيميائي للكون. علاوة على ذلك، توضح هذه الدراسة أهمية تمكين الجيل الجديد من العلماء؛ حيث قاد الباحث الشاب “بيتر ديزل” هذا العمل المعقد، مما يبرز دور الفضول العلمي في دفع حدود المعرفة البشرية.

إن الانتقال من فهم اضمحلال بيتا البسيط إلى رصد التفاعلات المعقدة للنوى الغريبة يمهد الطريق لاستكشاف مناطق مجهولة في مخطط النويدات، مثل عنصر “التينيسين”، ويؤكد أن رحلة البحث عن أصل الذهب هي في جوهرها رحلة لفهم القوانين الأساسية التي تحكم المادة والطاقة في كوننا.


المصدر العلمي: ScienceDaily

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *