الرسوم الجمركية الأميركية: سلاح سياسي بتبعات اقتصادية محلية قاسية
كشفت دراسة اقتصادية حديثة، نقلتها وكالة بلومبيرغ، عن واقع مغاير تماماً للوعود السياسية التي رافقت فرض الرسوم الجمركية الأميركية إبان إدارة الرئيس السابق دونالد ترامب. فبينما كان الهدف المعلن هو الضغط على الشركاء التجاريين، أثبتت الأرقام أن هذه الرسوم تحولت إلى عبء مباشر يثقل كاهل المستهلك الأميركي وحده.
بالأرقام.. من يتحمل التكلفة الفعلية؟
خلص معهد كيل للاقتصاد العالمي في دراسته المعمقة إلى نتائج وصفت بالصادمة حول توزيع الأعباء المالية لهذه التعريفات:
- 96% من العبء المالي: يتحمله المستوردون الأميركيون وعملاؤهم المحليون وصولاً إلى المستهلك النهائي.
- 4% فقط من التكلفة: هي ما تتحمله الشركات والمصانع الأجنبية المصدرة.
- 200 مليار دولار: هي القيمة التقريبية التي جرى اقتطاعها من مدخرات الأسر والشركات الأميركية لتغذية إيرادات الجمارك.
آلية الانتقال: كيف تصل الرسوم إلى جيب المواطن؟
توضح الدراسة أن الرسوم الجمركية لا تقف عند حدود الموانئ، بل تتغلغل في النسيج الاقتصادي عبر مسار ممنهج:
- المستوردون: هم الحلقة الأولى التي تسدد الرسوم نقداً.
- سلاسل التوريد: يتم تمرير التكلفة من المصنعين إلى تجار الجملة ثم التجزئة.
- المستهلك النهائي: يجد نفسه أمام خيار وحيد وهو دفع أسعار أعلى للسلع اليومية.
هذا النمط لم يكن استثنائياً، بل كان سلوكاً اقتصادياً ثابتاً عبر مختلف القطاعات، مما يجعل هذه الرسوم بمثابة "ضريبة استهلاك غير معلنة".
لماذا فشلت الضغوط على المصدرين الأجانب؟
ركزت الدراسة على حالات دولية مثل البرازيل والهند لفهم رد فعل الموردين. فعلى الرغم من فرض رسوم وصلت إلى 50% على بعض الصادرات، لم يقم المصدرون بخفض أسعارهم بالدولار لاستيعاب الزيادة.
ويعزو الباحثون ذلك إلى قدرة الموردين الأجانب على إعادة توجيه بضائعهم نحو أسواق بديلة عالمياً، مفضلين تقليص حجم التجارة مع الولايات المتحدة على التنازل عن هوامش أرباحهم. ونتيجة لذلك، يظل السعر العالمي ثابتاً، بينما يرتفع السعر داخلياً في السوق الأميركية.
الخلاصة: فجوة بين الخطاب والواقع
تثبت النتائج أن السياسات الحمائية، رغم جاذبيتها السياسية، قد تؤدي إلى ارتدادات عكسية تضرب القوة الشرائية المحلية. إن "الضريبة على الأجانب" التي جرى الترويج لها، تحولت عملياً إلى استنزاف للدخل القومي الأميركي، مما يفتح باب التساؤلات حول جدوى الاستمرار في هذا النهج دون دراسة عميقة لمرونة الأسواق العالمية.
المصدر: الجزيرة


اترك تعليقاً