خسائر روسيا في حرب أوكرانيا: قرية ‘سيدانكا’ نموذج لاستنزاف الأقليات والمناطق الفقيرة

خسائر روسيا في حرب أوكرانيا: قرية ‘سيدانكا’ نموذج لاستنزاف الأقليات والمناطق الفقيرة

مأساة صامتة في أقصى شرق روسيا

على ضفاف بحر أوخوتسك، وفي قلب شبه جزيرة كامتشاتكا النائية، تعيش قرية “سيدانكا” فصلًا مأساويًا من تداعيات الغزو الروسي لأوكرانيا. هذه القرية التي تشتهر بالصيد وتفتقر لأدنى المقومات المعيشية كالماء الجاري والتدفئة المركزية، وجدت نفسها فجأة بلا رجال، بعد أن استنزفت الحرب طاقتها البشرية، رغم بعد القرية عن خطوط المواجهة بأكثر من 7000 كيلومتر.

وفقًا لشهادات السكان المحليين، غادر جميع الرجال تقريبًا الذين تتراوح أعمارهم بين 18 و55 عامًا للانضمام إلى القتال. ومن أصل 258 نسمة هم إجمالي سكان القرية، وقع 39 رجلًا عقودًا عسكرية، قُتل منهم 12 وفُقد 7 آخرون، ما يعني أن القرية فقدت جزءًا كبيرًا من قوتها العاملة، لدرجة أن النساء اشتكين من عدم وجود من يقطع الحطب لتدفئة المنازل في شتاء تصل حرارته إلى 10 درجات تحت الصفر.

إحصائيات مرعبة: 2025 العام الأكثر دموية

تشير التحليلات التي أجرتها بي بي سي بالتعاون مع وكالة “ميديزونا” إلى تصاعد مخيف في أعداد الوفيات. فقد تم التحقق من مقتل 40,201 جندي روسي منذ بداية عام 2025 فقط، مع توقعات بأن يصل إجمالي القتلى لهذا العام إلى 80 ألفًا، ليصبح العام الأكثر دموية للجيش الروسي منذ انطلاق الغزو في فبراير 2022.

وتعتمد هذه البيانات على تقارير رسمية، وسجلات الوصايا، ومنشورات التواصل الاجتماعي، والنصب التذكارية. وبشكل تراكمي، تم تحديد أسماء 186,102 جندي روسي قُتلوا في الحرب، لكن التقديرات العسكرية ترجح أن العدد الحقيقي يتراوح بين 286,000 و413,500 قتيل، حيث لا يتم تسجيل العديد من الحالات في ساحة المعركة.

الأقليات العرقية.. وقود الحرب الروسية

تكشف البيانات عن خلل ديموغرافي حاد في توزيع الخسائر؛ فبينما يتمتع سكان المدن الكبرى مثل موسكو بمعدلات وفيات منخفضة (0.05% من الذكور)، ترتفع هذه النسبة بشكل مرعب في المناطق الفقيرة والنائية. في بورياتيا وتوفا بسيبيريا، يصل معدل الوفيات إلى 33 ضعفًا مقارنة بالعاصمة.

وتستهدف عمليات التجنيد بشكل غير متناسب الجماعات الأصلية الصغيرة مثل “الكورياك” و”الإيتلمن” و”التشوكشي”. وتلعب الدعاية الحكومية على الأنماط الصور النمطية لهذه الشعوب باعتبارهم “محاربين وفطرة وقناصة ماهرين” لتشجيعهم على التطوع، في حين أن المحرك الأساسي هو الفقر المدقع وانسداد آفاق التنمية الاقتصادية في قراهم.

وعود حكومية معطلة وبنية تحتية متهالكة

رغم التضحيات الكبيرة، لا تزال الوعود الحكومية لقرية سيدانكا حبرًا على ورق. فلقب “قرية الشجاعة العسكرية” الذي وعدت به السلطات لم يمنح بعد، وبرامج الدعم لأسر الجنود لا تصل إلا بعد ضغوط إعلامية مكثفة. وتعاني القرية من بنية تحتية متهالكة، حيث تُصنف مدرسة القرية الوحيدة كمنطقة طوارئ معرضة للانهيار، وتعتبر الدولة أن واحدًا من كل خمسة منازل غير آمن للسكن.

الجانب الأوكراني: خسائر فادحة أيضًا

على الجانب الآخر من الجبهة، لا تبدو الصورة أقل قتامة. فقد صرح الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي مؤخرًا بأن 55 ألف جندي أوكراني قُتلوا رسمياً، مع وجود أعداد كبيرة من المفقودين. ومع ذلك، تشير تقديرات مستقلة استنادًا إلى بيانات موثقة إلى أن عدد القتلى الأوكرانيين قد يصل إلى 200 ألف جندي، مما يعكس الكلفة البشرية الهائلة لهذا الصراع المستمر.

إن قصة سيدانكا ليست مجرد حكاية لقرية بعيدة، بل هي مرآة لسياسة التجنيد الروسية التي تعتمد على استنزاف الأطراف الفقيرة والأقليات العرقية للحفاظ على استقرار المدن الكبرى، مما يهدد بمحو ثقافات ومجتمعات بأكملها في سبيل طموحات جيوسياسية.

المصدر: BBC Arabic

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *