# شهر شعبان: الجسر الإيماني والمنطلق العملي لرمضان
إن المتأمل في أحوال الناس في دنياهم، يجد أن التاجر الحصيف هو ذلك الذي لا يترك أموره للصدف، بل هو الذي يستعد ويُعدّ العدة لمواسم الربح الكبرى قبل أوانها. وإذا كان هذا شأن طلاب الدنيا وفنائها، فكيف بمن يرجو تجارة لن تبور؟ إن أعظم تجارة على الإطلاق هي التجارة مع الله جل جلاله، بالعمل الصالح، والطاعة الخالصة، والتقرب إليه بصنوف الخيرات.
وها نحن اليوم نرى أنوار شهر رمضان المبارك قد لاحت في الأفق، وبدأت نسائمه تداعب أرواح المشتاقين، فنسأل الله عز وجل أن يبلغنا إياه ونحن في أحسن حال. إن المسلم الصادق مع ربه هو الذي لا ينتظر رؤية هلال رمضان ليبدأ مسيرة التغيير، بل هو الذي يجعل من شهر شعبان محطة للتهيئة، وورشة للتحلية، وميداناً للإصلاح، ليكون دخوله في رمضان دخولاً قوياً، مثمراً، ومليئاً بالأنوار.
أولاً: الاستغفار.. تطهير الوعاء قبل ملئه بالخير
إن أولى خطوات الاستعداد لرمضان في شعبان تبدأ بالاستغفار العميق. فالذنوب والخطايا ليست مجرد أرقام في سجلاتنا، بل هي قيود ثقيلة تمنع الجوارح من الانبعاث في الطاعة، وهي رانٌ يتراكم على القلوب فيحجب عنها نور التوفيق. فما استُقبلت مواسم الطاعات بمثل كثرة الاستغفار والتوبة النصوح.
إن الذنوب هي أعظم أسباب حرمان الخير؛ فكم من شخص أراد قيام الليل فثقُل عليه، وكم من مريد لتلاوة القرآن فصُرف عنه، وما ذلك إلا بذنوب كبّلت الأرواح. لذا، اجعل لك من هذه اللحظة ورداً ثابتاً من الاستغفار، لا بلسانك فحسب، بل بحضور قلب واستشعار لعظمة من عصيت، وندم صادق على ما فرطت. إن الاستغفار في شعبان هو عملية تنظيف للقلب، ليصبح وعاءً طاهراً مستعداً لاستقبال فيوضات الرحمة الرمضانية.
ثانياً: الدعاء والانطراح بين يدي الله
بعد تطهير القلب بالاستغفار، تأتي مرحلة الاستعانة بالله. إن العبد مهما بلغت قوته وعزيمته، لا يمكنه أن يخطو خطوة واحدة نحو الطاعة إلا بتوفيق من الله. لذا، أكثر من الدعاء والانطراح بين يدي الله في سجداتك وفي خلواتك. اسأله بقلب مفتقر صادق، قلبٍ يدرك أنه لا حول له ولا قوة إلا بربه.
تضرع إلى الله أن يعينك على ذكره وشكره وحسن عبادته، وأن يصرف عنك العوائق الصارفة، والفتن المضلّة، والشواغل التي تسرق منك عمرك. اجعل دعاءك مركزاً على أن يشرح الله صدرك للعبادة، وأن يجعل من رمضان هذا العام نقطة تحول كبرى في حياتك. فكم من صالحين قفزوا قفزات عالية في سماء العلم والإيمان ببركة نفحة واحدة من نفحات هذا الشهر الكريم، وما نالوا ذلك إلا بصدق اللجوء إلى الله. فالدعاء هو السلاح الأقوى إن رمت الاستغلال الأمثل لمواسم الطاعات، فالتوفيق غيثٌ يُستمطر بالدعاء والافتقار.
ثالثاً: وضع برنامج عملي للعبادة
الاستعداد لرمضان في شعبان لا يكتمل إلا بخطة عملية واضحة. لا تترك أمورك هكذا كيفما اتفقت، بل كن منظماً في سيرك إلى الله. ابدأ من الآن بوضع برنامج عبادة يتدرج بك نحو الذروة في رمضان:
1. القرآن الكريم: أعدّ العدة لختمتين، أو على الأقل ختمة تدبر واحدة تُصلح بها قلبك. إن قراءة القرآن بتدبر وتأمل هي من أقوى الأسباب التي تبعث في النفس الرغبة في فعل الطاعات. اجعل للقرآن وقتاً مقدساً في يومك من الآن.
2. الصيام: احرص على صيام بعض الأيام في شعبان، اقتداءً بسنة النبي صلى الله عليه وسلم، وتدريباً لنفسك على مشقة الصيام حتى لا يفاجئك رمضان وأنت في حالة من الخمول البدني.
3. الصدقة: ابدأ ببذل القليل من مالك، فالبذل في شعبان يربي في النفس خلق الجود الذي يبلغ ذروته في رمضان.
4. عمارة المساجد: جاهد نفسك على التبكير للصلاة، والذهاب إلى المسجد قبل الأذان، لتنعم بلحظات الصفاء قبل الفريضة.
5. الأذكار وقيام الليل: اجعل لك ورداً من أذكار الصباح والمساء بحضور قلب، وجاهد نفسك على قيام الليل ولو لدقائق يسيرة قبل الفجر، لتعود روحك على مناجاة السحر.
رابعاً: تزكية القلب وإصلاح الباطن
إن السير إلى الله مطيته القلب، وإذا كانت هذه المطية سليمة وصحيحة، كان الوصول إلى المقامات العالية أسرع وأيسر. إن الكثيرين ينشغلون بإصلاح الظاهر وتجهيز الأبدان، ويغفلون عن جوهر العبادة وهو القلب.
اجلس مع نفسك جلسة مكاشفة صادقة، فتش في زوايا قلبك عن الآفات والدسائس؛ هل هناك غلٌ لأحد؟ هل هناك حسد؟ هل هناك كبر أو رياء؟ إن هذه الأمراض هي العوائق الحقيقية في طريق السلوك إلى الله. استعن بالله في معالجتها والتخلص منها، فالأمر يسير على من يسره الله عليه. إن قلوبنا بحاجة ماسة إلى تنقيتها من أوضار الدنيا وأكدارها. فإذا سلم القلب من هذه الشوائب، استنار بنور الإيمان، وأقبلت عليه منح الله وهباته، وأصبح محلاً قابلاً لاستقرار الأنوار والبركات ووفود الخيرات الرمضانية.
خامساً: الاستعداد العلمي والمعرفي
من تمام الاستعداد لرمضان في شعبان أن تهيئ عقلك كما هيأت قلبك. ابدأ بسماع بعض الدروس النافعة التي تتحدث عن فقه الصيام، وعن مقاصد العبادة، وكيفية إصلاح الباطن وتزكية النفس. إن العلم ينير لك الطريق، ويبصرك بمواطن الخلل في عبادتك، ويحفزك على المزيد من الاجتهاد.
إن الاستماع لدروس التزكية والرقائق في هذا الوقت تحديداً يعمل كوقود إيماني يدفعك للعمل. اختر سلسلة دروس لمربٍّ صادق أو عالم رباني، واجعلها رفيقك في طريقك أو في خلوتك، لتتعلم كيف تعبد الله على بصيرة، وكيف تجعل من حركاتك وسكناتك في رمضان قربى إلى الله عز وجل.
خاتمة: شعبان فرصة لا تعوض
أيها المبارك، إن الأيام تمضي سراعاً، والموفق هو من اغتنم أنفاس عمره فيما يرضي ربه. اجعل من شهر شعبان هذا العام انطلاقة حقيقية، لا مجرد مرور زمني. ابدأ بالإصلاح، واستمر في الدعاء، وثابر على العمل الصالح، لتدخل رمضان وقد انجلت عن قلبك الغشاوة، وصفت روحك، وتهيأت نفسك لتكون من عتقاء الله من النار في ذلك الشهر العظيم. فبقدر كدك في شعبان، يكون جنى ثمارك في رمضان. بلّغنا الله وإياكم رمضان، وأعاننا فيه على الصيام والقيام وصالح الأعمال.

اترك تعليقاً