بينما تضع الحرب أوزارها الثقيلة على ملامح الحياة في السودان، برزت بارقة أمل من وسط الركام لتؤكد أن التاريخ لا يمكن محوه بطلقة رصاص أو عملية نهب منظمة. بعد إغلاق قسري دام لأكثر من عامين، أعلن القائمون على التراث السوداني عن ولادة جديدة للمتحف القومي بالخرطوم، ولكن هذه المرة في الفضاء الرقمي، ليكون حصناً منيعاً لذاكرة أمة تعرضت كنوزها للتبديد.
جردة حساب مؤلمة: ما الذي تبقى من "كنوز النيل"؟
منذ اندلاع الصراع في أبريل 2023، تعرض المتحف القومي السوداني، الذي يعد حجر الزاوية للتراث الحضاري في المنطقة، لعمليات نهب وتخريب واسعة النطاق. المتحف الذي كان يضم بين جدرانه ما يقارب 100 ألف قطعة أثرية نادرة، لم يتبقَ فيه اليوم سوى النزر اليسير.
- الناجون من النهب: لم يترك اللصوص خلفهم إلا القطع التي استعصى نقلها لضخامة حجمها، مثل تمثال الفرعون الأسود "تهارقا" الذي يقف اليوم وحيداً في فناء المتحف، وجداريات المعابد التي نُقلت قديماً أثناء بناء سد أسوان.
- مشهد الدمار: تحولت قاعات العرض التي كانت تضج بالزوار والباحثين إلى أطلال يسكنها حطام التماثيل المهشمة وزجاج صناديق العرض المتناثر.
مشروع "المتحف الافتراضي": استعادة الذاكرة رقمياً
أمام هذا الواقع المرير، وفي ظل صعوبة استعادة القطع المنهوبة التي رصدت الأقمار الاصطناعية شاحنات تنقلها نحو إقليم دارفور، لم يكن هناك خيار سوى اللجوء إلى الحلول التقنية. وبدعم من متحف اللوفر الفرنسي وجامعة درم البريطانية، أبصر مشروع "المتحف الافتراضي للسودان" النور.
كيف تمت عملية إعادة البناء؟
لم تكن عملية إعادة التكوين سهلة، بل تطلبت جهداً بحثياً وتقنياً مضنياً شمل:
- قواعد البيانات: الاعتماد على القوائم الرسمية، الدراسات المنشورة، وصور بعثات التنقيب القديمة لتوثيق القطع المفقودة.
- التصميم الغرافيكي: عمل المصمم "مارسيل بيري" على محاكاة الهندسة المعمارية للمتحف وتأثيرات الإضاءة لتقديم تجربة بصرية واقعية.
- العرض ثلاثي الأبعاد: يتيح الموقع الإلكتروني حالياً استكشاف مئات القطع الأثرية من حضارة كوش القديمة عبر تقنيات الـ 3D.
فاجعة "غرفة الذهب": ثمانية آلاف عام من التاريخ تتبخر
في مارس 2025، ومع استعادة الجيش السيطرة على وسط العاصمة، تمكن خبراء الآثار من دخول المتحف لأول مرة. كانت الصدمة الكبرى في "غرفة الذهب"، التي كانت تحوي مقتنيات وحُلياً من الذهب الخالص عيار 24، يعود تاريخ بعضها إلى 8 آلاف عام. هذه الغرفة التي نُهبت بالكامل، من المقرر إتاحة زيارتها افتراضياً في أواخر عام 2026، لتكون شاهداً رقمياً على عظمة ما فُقد.
صرخة دولية لحماية التراث السوداني
لم تقف منظمة "اليونسكو" مكتوفة الأيدي أمام ما وصفته الحكومة السودانية بـ "جريمة حرب" استهدفت الهوية الوطنية. فقد أطلقت المنظمة نداءً عالمياً يهدف إلى:
- منع الاتجار بالقطع الأثرية السودانية المنهوبة.
- توعية الجمهور بضرورة الإبلاغ عن أي قطع مشبوهة تظهر في الأسواق الدولية.
- التأكيد على أن تدمير الآثار هو محاولة لاغتيال الذاكرة الجماعية للشعب السوداني.
خاتمة: التكنولوجيا كدرع للهوية
إن تحويل المتحف القومي السوداني إلى نسخة افتراضية ليس مجرد مشروع تقني، بل هو فعل مقاومة ثقافية. ففي الوقت الذي تمزق فيه الحرب أوصال البلاد، تظل هذه المنصة الرقمية نافذة مفتوحة للعالم، تذكّر الجميع بأن حضارة وادي النيل في السودان، الممتدة لـ 7 آلاف عام، أقوى من أن تُمحى بالنهب أو التدمير.
هل ترغب في استكشاف كنوز السودان المفقودة؟ يمكنك الآن القيام بجولة في "المتحف الافتراضي" ومشاركة تاريخ كوش القديم مع العالم.


اترك تعليقاً