ذرة متوازنة تماماً تكسر إحدى القواعد الراسخة في الفيزياء النووية: اكتشاف «جزيرة انقلاب» جديدة

ذرة متوازنة تماماً تكسر إحدى القواعد الراسخة في الفيزياء النووية: اكتشاف «جزيرة انقلاب» جديدة

مقدمة: إعادة رسم خريطة الاستقرار النووي

لطالما اعتقد فيزيائيو النواة لعقود من الزمن أن ما يُعرف بـ «جزر الانقلاب» (Islands of Inversion) هي مناطق حصرية تظهر فقط في النظائر الغنية بالنيوترونات الزائدة. في هذه المناطق الفريدة من المخطط النووي، تتوقف البنية التقليدية للنواة عن اتباع القواعد المتوقعة؛ حيث تختفي «الأرقام السحرية» المعروفة، وتتحطم الأشكال الكروية للنواة، لتتحول إلى أشكال مشوهة للغاية. وحتى وقت قريب، كانت كل الأمثلة المعروفة لهذه الظاهرة تقتصر على النوى غير المستقرة والغنية بالنيوترونات، مثل البيريليوم-12 والمغنيسيوم-32، وهي عناصر تقع بعيداً عن خط الاستقرار الموجود في الطبيعة.

الاكتشاف: مفاجأة في قلب التماثل النووي

في تحول دراماتيكي للمفاهيم الفيزيائية، كشفت دراسة دولية حديثة -قادها باحثون من مركز دراسات النوى الغريبة (IBS) وجامعة ولاية ميشيغان ومؤسسات أخرى- عن وجود «جزيرة انقلاب» في مكان لم يكن يتوقعه أحد. فبدلاً من العثور عليها في النوى المثقلة بالنيوترونات، اكتشف الفريق هذه المنطقة في أحد أكثر أجزاء المخطط النووي تناظراً، حيث يتساوى عدد البروتونات والنيوترونات (N = Z).

ركز البحث على نظيرين من عنصر الموليبدنيوم: الموليبدنيوم-84 (42 بروتوناً و42 نيوتروناً) والموليبدنيوم-86 (42 بروتوناً و44 نيوتروناً). وتكمن الصعوبة التقنية في أن هذه النظائر نادرة جداً ومن الصعب تخليقها في المختبرات الأرضية، مما تطلب استخدام تقنيات متطورة للغاية لرصد سلوكها.

المنهجية: تتبع نبض النواة في أجزاء من التريليون من الثانية

لتحقيق هذا الإنجاز، استخدم العلماء حزماً من النظائر النادرة في جامعة ولاية ميشيغان، حيث تم تسريع أيونات الموليبدنيوم-92 وصدمها بهدف من البيريليوم لإنتاج نويات الموليبدنيوم-86 سريعة الحركة. وعبر استخدام فاصل مغناطيسي متطور (A1900)، تم عزل الجسيمات المطلوبة وتوجيهها نحو هدف ثانٍ، حيث أدى الاصطدام إلى إثارة بعض النوى وفقدان أخرى لنيوترونين لتتحول إلى الموليبدنيوم-84.

اعتمد الفريق على مصفوفة كواشف الجرمانيوم عالية الدقة (GRETINA) لتتبع أشعة غاما المنبعثة، وجهاز (TRIPLEX) المصمم لقياس الأعمار الزمنية القصيرة جداً للحالات النووية المثارة، والتي تُقاس بالبيكوسانية (جزء من تريليون من الثانية). هذه القياسات الدقيقة سمحت للعلماء بتقدير مدى انحراف النواة عن شكلها الكروي المثالي.

الأهمية العلمية: لغز «إثارة الجسيمات والفجوات»

أظهرت النتائج تبايناً مذهلاً؛ فبينما يمتلك النظيران فرقاً بسيطاً يتمثل في نيوترونين فقط، إلا أن سلوكهما مختلف تماماً. أظهر الموليبدنيوم-84 حركة جماعية غير عادية للبروتونات والنيوترونات عبر ما يسميه الفيزيائيون «إثارة الجسيمات والفجوات» (Particle-Hole Excitation). في هذه العملية، تقفز النوكليونات إلى مدارات طاقة أعلى، تاركة خلفها «فجوات» في المدارات الأدنى.

في حالة الموليبدنيوم-84، تحدث إعادة تنظيم هائلة لثمانية جسيمات وثماني فجوات (8p-8h)، مما يؤدي إلى تشوه قوي جداً في شكل النواة. وتوصل الباحثون إلى أن هذا التأثير ناتج عن التفاعل بين تناظر البروتونات والنيوترونات وتضيق الفجوة الغلافية عند الرقم 40. ومن المثير للاهتمام أن النماذج التقليدية فشلت في تفسير هذه البنية، إلا عندما تم إدخال «قوى الأجسام الثلاثة» (Three-Nucleon Forces)، حيث تؤثر ثلاثة نوكليونات على بعضها البعض في آن واحد، وهو ما يغير فهمنا للقوى الأساسية التي تربط مكونات الذرة.

الخلاصة والآفاق المستقبلية

يمثل اكتشاف «جزيرة الانقلاب المتناظرة» في الموليبدنيوم-84 المرة الأولى التي تُرصد فيها هذه الظاهرة في نظام متوازن البروتونات والنيوترونات. هذا الاكتشاف لا يكسر القواعد القديمة فحسب، بل يفتح الباب أمام مراجعة شاملة للنماذج النووية الحالية. إن فهم كيفية تشوه النوى «المتوازنة» سيوفر رؤى أعمق حول نشأة العناصر الثقيلة في الكون، ويساعد في تطوير نظريات أكثر دقة حول المادة النووية في ظروفها القصوى.


المصدر العلمي: ScienceDaily

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *