رحمات رمضان: كيف تغتنم نفحات الله في شهر الغفران؟

مقدمة: في رحاب ملكوت الرحمة

الحمد لله رب العالمين، القائل في محكم التنزيل: {وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ}، سبحانه وتعالى له الحمد الحسن والثناء الجميل، نعبده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ به من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا. والصلاة والسلام على سيد ولد آدم أجمعين، نبينا محمد الذي أرسله ربه رحمة للعالمين، وعلى آله وصحبه الذين ساروا على نهجه القويم إلى يوم الدين.

أما بعد؛ فإن فلاح العبد في هذه الدنيا وفي الآخرة مرهون بصلاح قلبه، واستقامة جوارحه، وإقباله الصادق على خالقه. إن الأنس بالله وطاعته والحرص على نيل محبته هي الغاية الأسمى التي تتوق إليها نفوس العارفين. ومع ذلك، فإن الطبيعة البشرية تعتريها الآفات، وتغالبها الغفلات، فيذنب العبد ويقصر، ويفرط في جنب الله. ولكن من عظيم فضل الله علينا أنه لم يتركنا لضعفنا، بل فتح لنا أبواب رحمته واسعة، ونادانا من قريب لنتوب ونؤوب.

فيض الجود الإلهي ورحمته بعباده

إن الله جل وعلا رحيم بنا، وهو سبحانه أرحم بنا من أنفسنا على أنفسنا. إن رحمته سبحانه لم تقتصر على المؤمنين فحسب، بل شملت كل ذرة في هذا الكون، فالمسلم والكافر، والبر والفاجر، والظالم والمظلوم، الجميع يتقلبون في نعم الله وآثار رحمته آناء الليل وأطراف النهار؛ يطعمهم ويسقيهم، ويسترهم ويعافيهم، ويمُنّ عليهم ويشفيهم.

ومما يجسد عظمة هذه الرحمة ما صح عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن لله مائة رحمة، أنزل منها رحمة واحدة بين الجن والإنس والبهائم والهوام، فبها يتعاطفون، وبها يتراحمون، وبها تعطف الوحش على ولدها، وأخَّر الله تسعًا وتسعين رحمة، يرحم بها عباده يوم القيامة».

وعن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قال: «قُدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم بسبي، فإذا امرأة من السبي تبتغي، إذ وجدت صبيًّا في السبي، أخذته فألصقته ببطنها وأرضعته، فقال لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم: أترون هذه المرأة طارحة ولدها في النار؟ قلنا: لا والله! وهي تقدر على أن لا تطرحه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لله أرحم بعباده من هذه بولدها».

إن هذه الرحمة هي التي تدخل المؤمنين الجنة، فلن يدخل أحد الجنة بعمله المجرد، كما قال المصطفى صلى الله عليه وسلم: «لن يُدخل أحدًًا عملُه الجنة. قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: لا، ولا أنا، إلا أن يتغمدني الله بفضل ورحمة، فسددوا وقاربوا».

رمضان: بوابة الرحمة الكبرى

من أسمى تجليات رحمة الله بعباده أن شرع لهم عبادة الصيام وخصهم بشهر رمضان المبارك. هذا الشهر ليس مجرد انقطاع عن الطعام والشراب، بل هو محطة ربانية لغسل القلوب، وتجديد الإيمان، وقطع حبال الغفلة. إن رمضان هو الوقت الذي يجمع الله فيه شتات النفوس، ويأخذ بأيدي التائهين إلى رحابه الواسعة.

وقد اختص الله الصيام لنفسه من بين سائر الأعمال، فقال في الحديث القدسي: «كُلُّ عَمَلِ ابْنِ آدَمَ يُضَاعَفُ، الْحَسَنَةُ عَشْرُ أمْثَالِهَا إِلَى سَبْعمِائَة ضِعْفٍ، قال اللهُ عَزَّ وَجَلَّ: إِلا الصَّوْمَ، فَإِنَّهُ لِي وَأنَا أجْزِي بِهِ، يَدَعُ شَهْوَتَهُ وَطَعَامَهُ مِنْ أجْلِي».

يقول الإمام النووي في تفسير إضافة الصوم لله: “قيل: سبب إضافته إلى الله تعالى أنه لم يعبد أحدٌ غير الله تعالى به، فلم يعظِّم الكفار في عصر من الأعصار معبودًا لهم بالصيام… وقيل: لأن الصوم بعيد من الرياء لخفائه”.

تجليات رحمات رمضان وأسرارها

إن رمضان موسم تتنزل فيه الرحمات وتفيض فيه البركات، وفيما يلي نعرض لأهم صور هذه الرحمة الإلهية:

أولاً: مغفرة الذنوب وتطهير القلوب

من أعظم رحمات الله في هذا الشهر أن جعل صيامه وقيامه سبباً لمحو الخطايا. قال النبي صلى الله عليه وسلم: «مَنْ صَامَ رَمَضَانَ، إيمَانًا وَاحْتِسَابًا، غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِه». ولم يقف الفضل عند الصيام، بل امتد للقيام ولليلة القدر التي هي خير من ألف شهر.

ثانياً: روحانية الجماعة وتآلف القلوب

من رحمة الله بنا أن جعل العبادة في رمضان جماعية. إن رؤية المسلمين يتسابقون إلى المساجد، ويقرؤون القرآن، ويتبادلون الإحسان، يبعث في النفس النشاط ويطرد عنها الكسل. هذا التعاون على البر والتقوى هو الذي يحفز المؤمن على الثبات، فالمرء قوي بإخوانه.

ثالثاً: مدرسة الحمية وصحة الأبدان

الصيام رحمة للبدن كما هو رحمة للروح. فهو وقاية وحماية وتنظيف للجسم من السموم. كما أنه يكسر حدة الشهوات التي ترهق الإنسان، ويسمو بالروح لتقترب من صفات الملائكة الذين لا يأكلون ولا يشربون. قال المناوي: “وقاية في الدنيا من المعاصي بكسر الشهوة، وحفظ الجوارح، وفي الآخرة من النار”.

رابعاً: الرحمة في التوقيت واليسر

لقد شاءت إرادة الله أن يكون الصيام مرتبطاً بالشهر القمري، وهو ما يضمن تنقل رمضان بين فصول السنة. فالمسلم يصوم في الحر والبرد، في اليوم الطويل والقصير، مما يحقق العدل بين المسلمين في كافة أقطار الأرض. كما أن الله جعل علامات الصيام واضحة بالنظر إلى الفجر والغروب، تيسيراً على عباده.

خامساً: تصفيد الشياطين وفتح أبواب الجنان

في رمضان، تتهيأ البيئة الإيمانية للعبد بشكل لا مثيل له. يقول النبي صلى الله عليه وسلم: «إذا جاء رمضان فتحت أبواب الجنة، وغلقت أبواب النار، وصفدت الشياطين». هذا التصفيد يضعف سلطان الشيطان على المؤمن، ويقوي إرادة الخير في قلبه، مما يفسر إقبال الناس على التوبة في هذا الشهر.

سادساً: بركة السحر ومناجاة الليل

رمضان يحيي فينا سنة الاستيقاظ في وقت السحر، وهو وقت يتجلى فيه الله سبحانه إلى السماء الدنيا ليجيب السائلين ويغفر للمستغفرين. الصائمون يقومون للسحور، فيذكرون الله ويصلون، ويذوقون حلاوة المناجاة التي قد يحرمون منها في بقية العام.

دموع الخشية: زاد السائرين إلى الله

ما أجمل تلك الساعات التي يلوذ فيها العبد بربه في جوف الليل، فتنساب دموعه خشيةً وحباً. إن هذه الدموع هي التي تغسل صدأ القلوب وتطهر الأرواح. لقد كان الجيل الفريد من الصحابة رضي الله عنهم يحيون ليلهم سجداً وقياماً، يصفهم علي بن أبي طالب رضي الله عنه قائلاً: «لقد كانوا يصبحون صُفرًا شعثًا غبرًا… فإذا أصبحوا فذكروا الله مادوا كما يميد الشجر في يوم الريح، وهملت أعينهم حتى تنبل ثيابهم».

كيف تستقبل نفحات الرحمة؟ (خطوات عملية)

لكي لا تخرج من هذا الشهر محروماً، عليك باتباع الآتي:
1. الحمد والامتنان: احمد الله أن بلغك هذا الشهر، فكم من أناس غيبهم الموت قبل بلوغه.
2. التوبة الصادقة: ابدأ شهرك بقلب نقي، وعزم أكيد على ترك الذنوب والعودة إلى الله.
3. تنوع الطاعات: لا تقتصر على الصيام فقط، بل اجعل لك نصيباً من الصدقة، وصلة الرحم، وتلاوة القرآن، وإطعام الطعام.
4. الاجتهاد في العشر الأواخر: تحرَّ ليلة القدر بجد واجتهاد، فهي تاج الشهر وخلاصة الرحمة.
5. حسن الظن بالله: اختم شهرك بالاستغفار، وكن على يقين بأن الله الغفور الرحيم سيقبل توبتك ويضاعف أجرك.

نسأل الله العظيم رب العرش الكريم أن يجعلنا في هذا الشهر من المقبولين، وأن يسبل علينا ستره وعافيته، وأن يعتق رقابنا ورقاب آبائنا من النار، إنه ولي ذلك والقادر عليه. والحمد لله رب العالمين.

المصدر: طريق الإسلام

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *