# رمضان: النفحة الربانية الكبرى ومنهاج التغيير نحو التقوى
إنَّ لله في أيام دهرنا لنفحات، ألا فتعرضوا لها؛ وإنَّ أعظم هذه النفحات على الإطلاق هو شهر رمضان المبارك. هذا الشهر الذي لا يمثل مجرد حقبة زمنية تمرُّ في العام، بل هو بحق النفحة الربانية العظيمة التي يهبها الله سبحانه وتعالى من واسع فضله وعظيم كرمه لعباده المسلمين. إنه الفرصة الذهبية لإعادة صياغة النفس الإنسانية، وتهذيب الأخلاق، وترميم ما أفسدته صراعات الحياة ومشاغل الدنيا، كل ذلك من أجل هدف أسمى: وهو النجاة وتجاوز هول ذلك اليوم العظيم، يوم العرض على ملك الملوك.
مدرسة الثلاثين يوماً والوصول إلى التقوى
يمتد شهر رمضان على مدى ثلاثين يوماً، وهي مدة كافية جداً لتربية النفس وتغيير العادات. في كل يوم من هذه الأيام، يخوض المسلم محاولة تلو الأخرى، في سباق محموم نحو نيل رضا الله سبحانه وتعالى. إن الغاية الكبرى من الصيام ليست الجوع والعطش، بل هي الوصول إلى مقام “التقوى”.
إن مرحلة الوصول إلى التقوى هي الفوز العظيم الذي يسعى إليه كل مؤمن لبيب؛ لأنها بمثابة التأهيل الحقيقي والوحيد لدخول جنات النعيم والنجاة من نيران الجحيم. التقوى هي تلك الوقاية التي تجعل بينك وبين عذاب الله حجاباً من العمل الصالح والخشية في الغيب والشهادة.
الصيام: اختبار الإخلاص والعقيدة النقية
تعتبر عبادة الصيام هي الاختبار الحقيقي الأول للعقيدة النقية الخالصة من شوائب الرياء والنفاق. فكل العبادات قد يدخلها الرياء؛ فقد يصلي المرء ليراه الناس، وقد يتصدق ليُقال عنه كريم، أما الصيام فهو عبادة سرية بامتياز، لا يطّلع على حقيقتها إلا الله سبحانه وتعالى. فالمسلم قد يكون وحده في خلوته، والماء البارد بين يديه، ومع ذلك يمتنع عن شربه إجلالاً لله ومراقبة له.
ولهذا السبب، خصَّ الله سبحانه وتعالى الصيام بخصوصية لم يمنحها لغيره من العبادات، كما ورد في الحديث القدسي العظيم الذي يرويه أبو هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( «يقولُ اللَّهُ عزَّ وجلَّ: الصَّوْمُ لي وأنا أجْزِي به، يَدَعُ شَهْوَتَهُ وأَكْلَهُ وشُرْبَهُ مِن أجْلِي، والصَّوْمُ جُنَّةٌ ، ولِلصَّائِمِ فَرْحَتانِ: فَرْحَةٌ حِينَ يُفْطِرُ، وفَرْحَةٌ حِينَ يَلْقَى رَبَّهُ، ولَخُلُوفُ فَمِ الصَّائِمِ أطْيَبُ عِنْدَ اللَّهِ مِن رِيحِ المِسْكِ» ) [المصدر: صحيح البخاري رقم 7492].
لقد جعل الله الصوم من العبادات التي لم يُحدد قدر أجرها بضعف معين، بل ترك الأجر مفتوحاً لعظمته وكرمه، فإذا كان الكريم هو الذي يجزي، فما ظنك بعطائه؟
الجود والقيام: هدي النبي في رمضان
لا يكتمل جمال رمضان إلا بالصدقة والجود. فقد كان النبي صلى الله عليه وسلم أجود ما يكون في رمضان، حيث يتضاعف الأجر وتتسابق النفوس لفعل الخيرات. إن إنفاق المال في سبيل الله خلال هذا الشهر هو برهان حي على صدق الإيمان وتقديم محبة الله على محبة المال.
أما في جوف الليل، فتتجلى عبادة قيام الليل وأداء صلاة التراويح، وهي من أفضل الأعمال التي خصَّ بها النبي صلى الله عليه وسلم هذا الشهر الكريم. ومن عظيم حكمة النبي صلى الله عليه وسلم وشفقته بأمته أنه بدأ صلاة التراويح جماعة في المسجد، ثم انفرد بها في بيته خشية أن تُفرض على المسلمين فيعجزوا عنها، رحمة منه بأمته صلى الله عليه وسلم.
وقد ربطت السنة النبوية المطهرة بين ثواب قيام الليل وثواب صيام النهار في غفران الذنوب، فقد ورد في الحديثين الصحيحين اللذين يرويهما أبو هريرة رضي الله عنه:
1. الأول عن الصيام: ( «مَن صَامَ رَمَضَانَ، إيمَانًا واحْتِسَابًا، غُفِرَ له ما تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِهِ» ) [المصدر: صحيح البخاري رقم 38].
2. والثاني عن القيام: ( «مَن قَامَ رَمَضَانَ إيمَانًا واحْتِسَابًا، غُفِرَ له ما تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِهِ» ) [المصدر: صحيح البخاري رقم 37].
ليلة القدر: كنز الليالي العشر
وفي ثنايا هذا الشهر، تكمن جوهرة مكنونة هي “ليلة القدر”. إن فضل هذه الليلة عظيم عظيم، كما فصّلته سورة القدر في القرآن الكريم، حيث وصفها الله بأنها {خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ}.
تخيل أخي المسلم، أن سويعات قليلة تقضيها في العبادة والدعاء والتبتل في الليالي العشر الوترية من أواخر رمضان، قد تفوق في ميزان الله عبادة مستمرة لأكثر من خمسة وثمانين عاماً! إنه فضل لا يفرط فيه إلا محروم، وعطاء إلهي يختصر المسافات نحو الجنة.
رمضان شهر التواد والتراحم الاجتماعي
علاوة على الجانب التعبدي الفردي، فإن رمضان هو شهر التواد والتراحم بين المسلمين. تذوب فيه الفوارق، وتجتمع فيه القلوب على مائدة واحدة. وللإطعام في هذا الشهر فضل كبير يفوق الوصف، حيث يؤجر المسلم الذي يفطر صائماً بمثل أجر الصائم تماماً، دون أن ينقص من أجر الصائم شيء. هذا التكافل الاجتماعي يعزز روح الجماعة ويغرس في القلوب محبة الخير للآخرين.
صناعة العادات الإيجابية
من المعروف تربوياً ونفسياً أن الاستمرار على فعل معين لمدة شهر كامل يؤدي إلى الاعتياد. ورمضان هو الفرصة المثالية لغرس العادات الإيجابية، سواء في العبادة كالمحافظة على الصلاة في وقتها وتلاوة القرآن، أو في التعامل مع الآخرين ككظم الغيظ وحسن الخلق. هذه العادات التي تتأصل في النفس طوال الشهر تصبح سجية محبوبة عند الله وعند الناس، وتستمر مع المؤمن طوال العام.
تحذير من لصوص الوقت وشياطين الإنس
وهنا نقف وقفة هامة وخطيرة؛ إذ يجب على المسلم الحذر كل الحذر من أن يجد شياطين الإنس والجن، المتمثلين في بعض وسائل الإعلام المغرضة، ثغرة في وقته. هذه الوسائل التي قد تحارب المسلم في فكره وعقيدته وسلوكه عبر استدراجه لقضاء هذا الشهر العظيم أمام الشاشات والمحتويات التي تفرغ الشهر من محتواه الروحاني.
إن رمضان من أعظم الكنوز، فلا تسمح لهؤلاء أن يخرجوك عن روحانياته الرائعة، ويذهبوا بك نحو الذنوب والآثام، ويبعدوك عن طريق النجاة. إنهم يزينون الملهيات في الوقت الذي ينادي فيه المنادي: “يا باغي الخير أقبل، ويا باغي الشر أقصر”.
تنبيه هام: ترتيب الأولويات في العبادة
ومما نود لفت الانتباه إليه بدقة، هو ملاحظة سلوك بعض المسلمين الذين يحرصون على إقامة صلاة التراويح حرصاً يفوق حرصهم على إقامة الصلوات المفروضة، وهذا خلل منهجي لا ينبغي الوقوع فيه أبداً.
إن الفريضة تبقى فريضة، وهي أحب ما يتقرب به العبد إلى ربه، بينما التراويح تظل نافلة وسنة مؤكدة مهما عظم أجرها. لا يصح أبداً أن يضيع المسلم صلاة الفجر أو العصر في وقتها بسبب السهر في التراويح أو غيرها. فالتوازن مطلوب، وتعظيم ما عظم الله من الفرائض هو لبُّ التقوى.
نسأل الله العلي العظيم، بمنّه وكرمه، أن يقبلنا في هذا الشهر المبارك، ويوفقنا فيه لطاعته ومرضاته، ويجعلنا من عتقائه من النار، إنه ولي ذلك والقادر عليه.

اترك تعليقاً