مقدمة: وهج البدايات وفخ الاندفاع
مع إشراقة شمس اليوم الأول من شهر رمضان المبارك، تفيض القلوب بمشاعر جياشة، وتتسارع نبضات الأرواح شوقاً إلى القرب من الله. في هذه اللحظات، يمتلئ المؤمن بطاقة هائلة تدفعه نحو الإقبال على الطاعات بكل جوارحه. إلا أن هذا المشهد المهيب قد يحمل في طياته فخاً خفياً يقع فيه الكثيرون، وهو فخ “الاندفاع المؤقت”. إن أول يوم من رمضان ليس مجرد فورة حماس تنطفئ مع مرور الليالي، بل هو في حقيقته أصل نبوي ومنهج حياة يجب أن يُبنى على أسس راسخة من الفهم والوعي.
إن الكثير من المسلمين يدخلون الشهر الفضيل بعقلية “العداء” في سباق المئة متر، حيث يفرغون كل طاقتهم في الأيام الأولى، وما إن ينتصف الشهر أو يشارف على نهايته، حتى تجد الأبدان قد كلت، والأرواح قد فترت، والهمم قد تراجعت. وهنا يأتي التوجيه الإسلامي ليعيد ضبط البوصلة، موضحاً أن العبرة ليست في الانفجار المفاجئ للعبادة، بل في القدرة على النفس الطويل والثبات حتى بلوغ الغاية.
المعادلة النبوية: المداومة أحب من الكثرة
في مدرسة النبوة، نجد قانوناً روحياً يختصر علينا مسافات التعب ويحمينا من اليأس. هذه المعادلة بسيطة في مبناها، عظيمة في معناها: المداومة أهم من الكثرة، والثبات أهم من الحماس، والقليل المستمر أحب إلى الله من الكثير المنقطع.
لقد رسم لنا النبي ﷺ طريق الفلاح بكلمات جامعة مانعة، حيث قال ﷺ: «أحبُّ الأعمال إلى الله أدومُها وإن قلّ..» (صحيح). هذا الحديث ليس مجرد رخصة للتقليل من العمل، بل هو استراتيجية لبناء الشخصية المؤمنة المستقرة. إن الله سبحانه وتعالى، وهو الغني عن عباداتنا، يحب أن يرى من عبده هذا الارتباط الوثيق الذي لا ينقطع، هذا الخيط الرفيع من النور الذي يمتد بين العبد وربه كل يوم، مهما كانت الظروف.
عندما نختار القليل المستمر، فنحن نعلن صدق نيتنا في جعل العبادة جزءاً أصيلاً من هويتنا، لا مجرد نشاط موسمي. الكثرة المنقطعة قد تورث العجب في بدايتها، ثم تورث الحسرة عند انقطاعها، أما المداومة على القليل فإنها تورث التواضع، وتجلب البركة، وتجعل القلب في حالة يقظة دائمة.
التوجيه القرآني: فلسفة الاستقامة لا الاندفاع
إذا تأملنا في كتاب الله عز وجل، سنجد أن الخطاب الإلهي يركز بشكل مكثف على مفهوم “الاستقامة”. يقول الله تعالى في محكم تنزيله: {فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ}. تأمل في هذا الأمر الإلهي؛ لم يقل سبحانه “اندفع”، ولم يقل “تسابق في الكم” بشكل ينهك القوى، بل قال: {استقم}.
الاستقامة هي لزوم الصراط المستقيم بانتظام وثبات. هي أن تسير بخطى واثقة، متزنة، تعرف أين تضع قدمك، وتدرك أن الطريق طويل يحتاج إلى زاد يكفي حتى النهاية. الاندفاع غالباً ما يكون رد فعل عاطفي لحظي، أما الاستقامة فهي قرار عقلي وروحي عميق. إن القرآن يوجهنا لنكون أصحاب نَفَس طويل، نعبد الله في السراء والضراء، وفي أول رمضان وفي آخره، بنفس الروحية المنضبطة.
معضلة “نهاية الأسبوع الأول”: لماذا نتعب؟
من الظواهر المتكررة في رمضان أننا نقرأ كثيراً، وننجز مهاماً تعبدية شاقة، ونحاول تغيير كل عاداتنا في ليلة وضحاها. ومع نهاية الأسبوع الأول، نجد أنفسنا نقول بلسان الحال أو المقال: “تعبت!”. هذا التعب ليس تعباً محموداً ناتجاً عن بذل الجهد في طاعة الله فحسب، بل هو تعب ناتج عن سوء إدارة الطاقة الروحية والبدنية.
عندما نملأ جداولنا في أول يوم حتى نختنق، فإننا نمارس ضغطاً هائلاً على النفس لم تعتد عليه. النفس البشرية تحتاج إلى التدرج، والقلب يحتاج إلى وقت ليتذوق حلاوة الطاعة دون أن يشعر بالثقل. إن الانقطاع بعد الكثرة يسبب انتكاسة نفسية، حيث يشعر المرء بالذنب لتقصيره، مما قد يؤدي به إلى ترك العمل بالكلية. لذا، كان من الحكمة أن نبدأ بما نستطيع الاستمرار عليه، لا بما نتمنى الوصول إليه في لحظة حماس عابرة.
خطوات عملية لاستمرارية ناجحة في رمضان
لكي نطبق مبدأ الاستمرارية في رمضان، نحتاج إلى خطة عمل واقعية توازن بين الطموح والقدرة:
1. تحديد الحد الأدنى اليومي: قبل أن تبدأ، حدد قدراً من القرآن والأذكار والصلوات لا تتنازل عنه مهما بلغت الظروف. هذا هو “خط الدفاع الأول” لروحك.
2. تجنب الجداول المختنقة: لا تحاول محاكاة جداول العباد الزهاد في أول يوم إذا لم تكن مهيأً لذلك. اختر ما تستطيع المحافظة عليه لمدة ثلاثين يوماً كاملة.
3. التركيز على الكيف لا الكم: أن تقرأ صفحة واحدة بتدبر وخشوع، خير من أن تقرأ أجزاءً وقلبك لاهٍ يترقب متى تنتهي.
4. توزيع الجهد: رمضان ماراثون وليس سباقاً قصيراً. ادخر بعض طاقتك للعشر الأواخر، فهي مضمار السباق الحقيقي.
5. مبدأ الانضباط الهادئ: تعامل مع عبادتك كالتزام يومي مقدس، مثل تنفسك وطعامك، بعيداً عن الصخب والضجيج.
الانضباط: العبادة الهادئة ودليل الصدق
إن الانضباط في العبادة هو في حد ذاته “عبادة هادئة”. هو أن تقوم للصلاة وأنت متعب لأنك عاهدت الله على ذلك، وهو أن تفتح مصحفك في وقتك المحدد رغم ضغوط الحياة. هذا الانضباط هو الدليل الأكبر على صدق النية؛ فالكثيرون يستطيعون العبادة وقت النشاط، لكن الصادقين فقط هم من يستمرون وقت الفتور.
الاستمرار دليل على أنك لا تعبد مشاعرك ولا تعبد حماسك، بل تعبد ربك. إن الله يباهي بعبده الذي يثبت على الطاعة، والذي يجعل من يومه الرمضاني لوحة من الثبات والسكينة. الاستمرار يبني في النفس ملكة التقوى، ويحول العبادة من فعل خارجي إلى حالة داخلية ملازمة للمؤمن.
خاتمة: العبرة بالخواتيم وبما ثبت
في ختام هذه التأملات، تذكر دائماً أن أول يوم في رمضان هو مجرد بداية لرحلة طويلة نحو التغيير. لا تجعل هذا اليوم يكون قمة عطائك ثم تبدأ في الانحدار، بل اجعله حجر الأساس الذي تبني فوقه لبنة لبنة.
اختر من الأعمال ما تطيق، والزم غرز السنة النبوية، واستلهم من التوجيه القرآني معنى الثبات. إن الذين يستمرون هم الذين يصلون، والذين يداومون هم الذين يُفتح لهم أبواب القبول. اجعل شعارك في هذا الشهر: “قليل دائم، خير من كثير منقطع”، وكن من أهل الاستقامة الذين قال الله فيهم ولهم: {فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ}.
إن الانضباط هو سر النجاح في الدنيا والآخرة، والاستمرارية هي البرهان الساطع على أن محبتك لله ليست مجرد عاطفة رمضانية، بل هي منهج حياة يمتد إلى ما بعد رمضان، ليكون العمر كله لله.

اترك تعليقاً