رمضان مدرسة الزهد: كيف تحرر قلبك من قيود الدنيا؟

# رمضان مدرسة الزهد: رحلة التحرر من قيود الفناء إلى سعة البقاء

يطل علينا شهر رمضان المبارك في كل عام، لا ليكون مجرد محطة لتغيير مواعيد الطعام والشراب، بل ليكون مدرسة ربانية متكاملة، تهدف في جوهرها إلى إعادة صياغة النفس البشرية، وترتيب أولوياتها الغائبة في زحام الحياة. إن رمضان هو الموسم الأسمى لزيادة التعلق بالله عز وجل والدار الآخرة، حيث تتنزل الرحمات، وتُفتح أبواب الجنان، وتُصفد الشياطين، لتجد النفس المؤمنة نفسها في بيئة خصبة للإنابة والإخبات.

في هذا الشهر الفضيل، نرى الطاعات تكثر وتُتقن، والنفوس تلين وتقبل على بارئها، والقلوب تتعظ وتخشع لذكر الله، والعقول تتفكر وتتدبر في آيات الكتاب المسطور ومنهاج الكون المنظور. هنا تدمع العيون شوقاً ورهبة، وتلهج الألسن تلاوةً وذكراً، وتُرفع الأكف تضرعاً وسؤالاً، وتنتصب الأجساد في محراب القيام، حتى تتفطر الأقدام حباً لخالقها، وتجود الأيدي بالصدقات إحساناً لعباد الله.

حقيقة الدنيا في ميزان الصيام

إن العبد الذي يعيش هذه الأجواء الروحانية، ويذوق حلاوة القرب من الله، لا بد أن يورثه ذلك حالاً من الزهد في دار الزوال التي لا قرار فيها. فالدنيا في ميزان الشرع دار حقيرة هينة على الله تعالى، لا تستحق أن تستنفذ أعمارنا في الركض خلف حطامها الزائل. وفي هذا المعنى يقرر النبي ﷺ حقيقة الدنيا بقوله: («لو كانت الدنيا تعدل عند الله جناح بعوضة، ما سقى كافراً منها شربة ماء»).

إن هذا التوصيف النبوي يضع الدنيا في حجمها الحقيقي؛ فهي أهون من جناح بعوضة، فكيف يعلق العاقل قلبه بما هو دون الجناح؟ ويؤكد النبي ﷺ على عظمة البديل ورفعة الجزاء في الآخرة بقوله: («موضع سوط في الجنة خير من الدنيا وما فيها»). فإذا كان مكان السوط الصغير في الجنة يبزّ الدنيا بكل كنوزها وقصورها وملذاتها، فكيف بالجنة التي عرضها السماوات والأرض؟

لذلك، كان لزاماً على المؤمن في رمضان أن يقطع حبال التعلق بدار ملهية تغر العبد عما ينفعه، وتصرفه عما يرضي ربه عنه. إنها دار الغرور والإغواء، كما وصفها الحق سبحانه وتعالى في محكم تنزيله: ﴿{يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ}﴾ [فاطر: 5].

الهدي النبوي في الزهد الرمضاني

لقد كان النبي ﷺ النموذج الأسمى في الزهد، وتجلى ذلك بأبهى صوره في شهر رمضان. فمن تأمل في أحواله ﷺ أدرك شدة زهده في الدنيا، وعظيم تعلقه برضوان الله تعالى، وكيف كان يتودد إلى خالقه بمحابه عز وجل، بعيداً عن كلف الحياة وتصنعها.

أولاً: قيامه ﷺ وتواضع فراشه

لقد كان النبي ﷺ يقوم الليل في رمضان طويلاً، حتى تتفطر قدماه، ورغم مكانته العظيمة كونه سيد ولد آدم، إلا أنه لم يكن يتخذ لنفسه فخيم الفراش في مسجده. تروي أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها حاله في رمضان فتقول: (كان الناس يصلون في المسجد في رمضان أوزاعاً، فأمرني رسول الله ﷺ فضربت له حصيراً فصلى عليه). فتأمل في هذا المشهد: النبي الأعظم يصلي على حصير خشن، لا يبتغي من الدنيا راحة لجسده، بل يبتغي راحة قلبه في مناجاة ربه.

ثانياً: بساطة الفطور والسحور

في زمننا هذا، تحولت موائد الإفطار إلى معارض للأطعمة وفنون الطبخ، بينما كان هدي النبي ﷺ يقوم على التواضع وعدم التكلف. يصف أنس رضي الله عنه فطور النبي ﷺ بقوله: (كان النبي ﷺ يفطر قبل أن يصلي على رطبات، فإن لم تكن رطبات فتميرات، فإن لم تكن تميرات حسا حسوات ماء).

ولم يكن سحوره ﷺ بأكثر من ذلك كلفة، فعن أنس رضي الله عنه قال: (قال رسول الله ﷺ -وذلك عند السحور-: «يا أنس، إني أريد الصيام؛ أطعمني شيئاً»! فأتيته بتمر وإناء فيه ماء، وذلك بعد ما أذن بلال). إن هذا التقلل لم يكن فقراً فحسب، بل كان اختياراً لنهج الزهد وتفريغاً للمعدة من ثقل الطعام لتنشط الروح في مضمار الطاعة.

ثالثاً: القناعة بالقليل من القوت

لقد كان النبي ﷺ يكتفي ببلغة من الطعام تقيم أوده، وفي حديث عبد الله بن أنيس رضي الله عنه عن أبيه أنه صلى مع النبي ﷺ المغرب في رمضان، ثم وقف بباب بيته ﷺ، فقال له النبي ﷺ: («ادخل»). يقول عبد الله: (فدخلت، فأتي بعشائه، فرآني أكف عنه من قلته). أي أن الطعام كان قليلاً جداً لدرجة أن الضيف استحيى أن يأكل منه مخافة أن ينقص على النبي ﷺ. هذا هو الزهد الحقيقي، أن يكتفي الإنسان بما يسد حاجته، ويوجه همته لما هو أبقى.

رابعاً: التواضع في العبادة والمكان

لم يكن النبي ﷺ يأنف من مشقة العبادة أو تواضع المكان. ففي ليلة القدر، وفي قمة التجلي الروحي، سجد النبي ﷺ في الماء والطين نتيجة مطر سقط على سقف المسجد المتواضع. يقول أبو سعيد الخدري رضي الله عنه: (فوكف المسجد في مصلى النبي ﷺ ليلة إحدى وعشرين، فبصرت عيني رسول الله ﷺ، ونظرت إليه انصرف من الصبح ووجهه ممتلئ طيناً وماء). لم يقطع صلاته، ولم يطلب سجادة تقيه الطين، بل استمر في عبادته متذللاً لخالقه.

وحتى في اعتكافه، وهو الخلوة المقدسة، كان مكانه ﷺ غاية في البساطة. فعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه: (أن النبي ﷺ اعتكف في قبة تركية على سدتها قطعة حصير)، وعن ابن عمر رضي الله عنه أنه ﷺ اعتكف (في بيت من سعف). هكذا كانت خلوة سيد الخلق؛ بيت من سعف النخل، وحصير متواضع، وقلب معلق بالعرش.

الحكمة من الزهد في رمضان

إن كل تلك الشواهد من سيرته ﷺ تؤكد سقوط الدنيا من عينيه، وحرصه على “الاخشوشان” والبذاذة أحياناً، لئلا تنغمس النفس في أسر الشهوات وحبائل الملذات. فكثرة النعيم تُبلد الحس، وتُضعف إقبال النفس على الله، وتفتر الهمة في مسابقة الصالحين في دروب السير إلى الله عز وجل.

إن رمضان يعلمنا أن نكون كما وجه النبي ﷺ أمته بقوله: («كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل»)، وقوله ﷺ: («ما لي وما للدنيا، ما أنا في الدنيا إلا كراكب استظل تحت شجرة ثم راح وتركها»). فالغريب لا يثقل كاهله بالمتاع، وعابر السبيل لا يبني القصور في طريق سفره، بل يجمع زاده ليصل إلى وطنه الحقيقي.

الزهد لا يعني الحرمان

من الضروري أن نفهم أن الزهد المراد في رمضان ليس هو الامتناع الكلي عن الملذات أو تحريم نعم الله التي أباحها لعباده، فالله تعالى يحب أن يرى أثر نعمته على عبده. بل المراد هو ترك الإكثار المفرط الذي يثقل البدن عن القيام، ويشغل النفس عن التدبر، ويحول الشهر من مضمار للسباق الروحي إلى مهرجان للاستهلاك.

الهدف هو أن تبقى الدنيا في أيدينا لا في قلوبنا، وأن تكون مجرد متاع زائل لا غاية منشودة. يجب ألا يكون الطعام والشراب والترف هو أكبر همنا في هذا الشهر، بل يجب أن نخشى من تحول رمضان إلى شهر سرف وترفه، مما قد يؤدي إلى كفران النعم بدلاً من شكرها.

خاتمة: نداء للقلوب

يا باغي الخير، أقبل على رمضان بقلب الزاهد، وروح العابد. اجعل من صيامك لجاماً لشهواتك، ومن قيامك معراجاً لروحك. تأمل في هدي نبيك ﷺ، وتعلم منه كيف تكتفي بالقليل من الدنيا لتربح الكثير من الآخرة. ليكن رمضانك هذا العام نقطة تحول، تخرج منه وقد خفّ حملك من الدنيا، وثقل ميزانك من التقوى والعمل الصالح.

نسأل الله تعالى أن يرزقنا حقيقة الزهد، ويعيننا على الصيام والقيام، ويجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه. والله الهادي إلى سواء السبيل.

المصدر: طريق الإسلام

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *