# رمضان: هل ضللنا الطريق إلى جوهر الصيام؟
حين يطل علينا هلال شهر رمضان المبارك، تفيض القلوب بالبشر، وتستبشر النفوس بقدوم موسم الرحمات. ولكن، في غمرة الاستعدادات المادية والاحتفالات الظاهرية، يبرز تساؤل جوهري يفرض نفسه على كل لبيب: هل أدركنا حقاً الغاية التي من أجلها شُرع الصيام؟ هل استوعبنا جوهر الصيام في رمضان أم أننا غرقنا في قشور العادات وبريق المظاهر؟
إن رمضان ليس مجرد محطة زمنية لتغيير مواعيد الوجبات، ولا هو موسم للتنافس في صنوف الطعام والشراب، بل هو رحلة روحية عميقة تهدف إلى صياغة النفس البشرية من جديد، وتنقيتها من شوائب الغفلة، وربطها بخالقها رب العالمين.
وهم المطبخ وحقيقة الإفطار
لقد تحول رمضان في وعي الكثيرين إلى شهر للمأكولات والوصفات المبتكرة، حيث تقضي الأمهات والزوجات نهار الصيام كله في مطابخهن، غارقات في تحضير مائدة إفطار تفوق حاجة الجسد بمراحل. وهنا يجب أن نتوقف لنسأل: هل هذا هو الصيام؟
إن الإفطار، يا رعاكم الله، ليس هو غاية الصيام العظمى، بل هو مجرد نقطة النهاية الزمنية للامتناع عن المفطرات. إننا لا نصوم لكي نكافئ أنفسنا في المساء بشتى أنواع الملذات التي تعوض ما فاتنا، بل نصوم لنكسر حدة الشهوة، ونشعر بضعفنا البشري، ونفسح المجال للروح كي تحلق في آفاق العبودية. حين يستنزف تحضير الطعام وقتنا وجهدنا، نكون قد ضيعنا الجوهر وبحثنا عن العرض، فالمؤمن يقتات ليعيش ويتقوى على الطاعة، لا ليكون عبداً لبطنه في شهر التحرر من الشهوات.
التراويح.. بين خشوع القلب وزحام الأجساد
ومن المظاهر التي تحتاج منا إلى وقفة تأمل، تلك النظرة القاصرة لصلاة التراويح. يظن البعض أن أهم ما في رمضان هو التراويح كطقس اجتماعي أو كمنافسة في عدد الركعات، أو البحث عن القارئ صاحب الصوت الرخيم الذي يجذب الآلاف. ورغم فضل الجماعة وحسن الصوت، إلا أن المسألة أعمق من ذلك بكثير.
إن القيمة الحقيقية للتراويح ليست في الازدحام الذي كلما اشتد شعرنا بالإنجاز، بل في ذلك الخشوع الذي يلامس شغاف القلب. إن العبرة ليست في “كم قرأنا؟” بل في “كيف استقبلنا ما قُرئ؟”. إن الوقوف بين يدي الله في جوف الليل هو خلوة المحب بمحبوبه، هي لحظات تجلٍّ يرتوي فيها القلب من فيض الإيمان، فإذا تحولت إلى مجرد وقوف بدني خلف قارئ دون تدبر أو حضور قلب، فقدنا الثمرة المرجوة من القيام.
القرآن.. من اللسان إلى سويداء الفؤاد
يتسابق المسلمون في رمضان لختم المصحف، وهذا مقصد شرعي شريف، ولكن الإشكالية تكمن في الطريقة. هل أصبح همنا هو “تلقف الحروف” من المصحف وإلقاؤها باللسان مباشرة دون أن تمر على العقل ليتدبر، أو على القلب ليتأثر؟
إن القرآن الكريم نزل ليكون منهاج حياة، لا مجرد كلمات نرددها بسرعة لنصل إلى نهاية الجزء. إن ختمة واحدة بتدبر، يقف فيها العبد عند آية وعيد فيستعيذ، وعند آية رحمة فيسأل، وعند آية أمر فيمتثل، لهي خير من ختمات تمر على الأذان كمرور الكرام. إن الهدف هو أن يغير القرآن فينا خُلقاً، أو يصحح فينا فكراً، أو يحيي فينا مواتاً.
فخ التفاخر والولائم الاجتماعية
لقد أضحى رمضان عند البعض ميداناً للمباهاة الاجتماعية، حيث تتحول الولائم العائلية إلى عبء مادي ونفسي. نتسابق في رد الوليمة بأفضل منها، ونقضي الساعات في الحديث عن جودة الطعام وفخامة التقديم.
أين هذا من روح رمضان التي تدعونا إلى الزهد والمواساة؟ إن رمضان هو شهر صلة الأرحام بالود والتراحم، لا بالتكلف الذي يرهق الميزانيات ويوغر الصدور. إن التبسط في العيش في هذا الشهر يمنحنا فرصة أكبر للتركيز على العبادة، ويجعلنا نشعر حقاً بمعاناة المحرومين، بدلاً من أن نغرق في ترفٍ ينسينا حكمة الجوع.
العمل في رمضان.. إتقان لا تكاسل
من المفاهيم الخاطئة التي استشرت في مجتمعاتنا، ربط الصيام بالخمول والكسل وتأجيل المصالح. يظن البعض أن من حقه التقليل من كفاءة عمله بحجة أنه صائم، وهذا لعمري فهم سقيم لجوهر الصيام.
إن الصيام عبادة قوة لا عبادة ضعف. إن الوقت الذي كنا نقضيه في تناول الوجبات اليومية، يجب أن يُستثمر في زيادة الإنتاجية والإتقان. إن العمل عبادة، وإتقانه في رمضان هو نوع من أنواع الجهاد النفسي. الصائم الحق هو من يباغت التعب بالاجتهاد، ويستعين بالله على أداء أمانته بكفاءة أكبر، ليكون صومه دافعاً للإنجاز لا ذريعة للتقاعس.
مدرسة التقوى: الهدف الأسمى
لماذا نصوم؟ الإجابة واضحة في كتاب الله عز وجل، حيث يقول سبحانه:
> {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} [البقرة: 183]
الهدف هو “التقوى”. رمضان هو دورة تدريبية مكثفة على ممارسة التقوى في كل تفاصيل الحياة. التقوى هي ذلك الحارس الداخلي الذي يمنعك من المعصية وأنت في خلوتك، وهي المحرك الذي يدفعك للطاعة وأنت في قمة تعبك.
نحن لا نخرج من رمضان لنقيس نجاحنا بزيادة الوزن أو نقصانه، بل لنقيسه بمدى قربنا من الله. إن الهدف هو شحن “بطارية التقوى” لتكفينا طوال العام. إذا خرجنا من رمضان ونحن أكثر خشية لله، وأكثر انضباطاً في جوارحنا، وأكثر إخلاصاً في أعمالنا، فقد حققنا الغاية. أما إذا خرجنا ببطون ممتلئة وقلوب خاوية، فقد أضعنا الفرصة.
عبادة تتخلل الحياة
إن ما يميز الصيام عن غيره من العبادات، أنه عبادة “سلبية” بمعنى الامتناع، وهي عبادة مستمرة لا تنقطع طوال النهار. أنت صائم وأنت تعمل، وأنت صائم وأنت تبيع وتشتري، وأنت صائم وأنت تقود سيارتك.
هذا التداخل بين العبادة والحياة اليومية يعلمنا درساً بليغاً: أن العبادة يجب أن تتخلل حياتنا كما يتخلل الهواء الرئتين، وكما يجري الدم في العروق. رمضان يدربنا على أن نكون في حالة عبادة دائمة، ليس فقط داخل المسجد، بل في كل لحظة من لحظات حياتنا. إنها ترجمة عملية لقوله تعالى:
> {قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ لَا شَرِيكَ لَهُ ۖ وَبِذَٰلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ} [الأنعام: 162-163]
الخاتمة: نحو رمضان مختلف
ليكن شعارنا في هذا العام: “رمضان للروح لا للجسد”. لنقلل من طعامنا لنزيد من فكرنا وذكرنا وتدبرنا. لنحرص على إتقان الفرائض أولاً، ثم نتبعها بالنوافل بقلوب خاشعة. لنحول صيامنا إلى حالة من الخشوع المستمر التي تفيض على أخلاقنا وتعاملاتنا مع الناس.
إن رمضان فرصة ذهبية لإعادة ترتيب الأولويات، والتحرر من قيود العادات البالية التي استهلكت أعمارنا. فاجعل من شهرك هذا نقطة انطلاق نحو حياة جديدة، حياة قوامها التقوى، وهدفها رضا الله، ومسارها الإتقان والعمل.
نسأل الله أن يجعلنا ممن يصوم رمضان إيماناً واحتساباً، وممن يخرجون منه وقد غُفرت ذنوبهم، ورُفعت درجاتهم، وتحققت فيهم صفة المتقين.
والله أعلم.

اترك تعليقاً