# روائع العلامة ابن القيم في فقه الغضب وعلاجه
الحمد لله رب العالمين، القائل في كتابه الكريم: {وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ ۗ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ}، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، نبينا محمد الذي كان لا يغضب لنفسه، وعلى آله وأصحابه أجمعين، أما بعد:
فإن الغضب جمرة يلقيها الشيطان في قلب ابن آدم، وهو من أخطر الأمراض التي تفتك بالدين والدنيا، وتفسد العقل والبدن. وقد اعتنى طبيب القلوب، العلامة شمس الدين ابن القيم -رحمه الله-، بهذا الموضوع في ثنايا مؤلفاته، فشرّح الداء ووضع الدواء بأسلوب إيماني عميق. وفي هذا المقال، نستعرض جملة من درره المنثورة في كتبه حول هذه الآفة وكيفية الخلاص منها.
حقيقة الغضب وأصله في النفس
يرى الإمام ابن القيم في كتابه “الفوائد” أن أعظم ما يُدفع به الغضب هو قلعه من جذوره، وذلك بمعرفة الإنسان لحقيقة نفسه. إن النفس البشرية إذا عرفت قدرها، وأنها لا تستحق أن يغضب لها أو ينتصر لها، هان عليها ترك الانتقام. فمن غضب لنفسه فقد آثرها بالرضى والغضب على خالقها وفاطرها.
إن كمال العبودية يقتضي أن يكون غضب العبد لله، ورضاه لله، فكلما وطّن الإنسان نفسه على أن يغضب لخالقه سبحانه، خرج من قلبه الغضب لنفسه. إنها عملية إحلال وإبدال؛ فكلما دخل القلب غضبٌ لله، خرج منه ما يضاده من الغضب للنفس والأنا، والعكس بالعكس.
الغضب ركن من أركان الأخلاق السافلة
في كتابه “الروح”، يضع ابن القيم الغضب في مكانه التشريحي من الأخلاق، فيبين أن منشأ جميع الأخلاق السافلة وبناؤها يقوم على أربعة أركان رئيسة:
1. الجهل.
2. الظلم.
3. الشهوة.
4. الغضب.
فالغضب هو الوقود الذي يحرك الكبر، والحقد، والحسد، والعدوان، والسفه. إنه الحالة التي تخرج الإنسان عن طوره، وتجعله يرتكب من الموبقات ما لا يفعله في حال سكينته. ومن هنا كان الغضب مفتاح كل شر، وبوابة كل خلق دنيء.
سكر الغضب وغول العقل
يشبه ابن القيم الغضب في كتابه “التبيان في أيمان القرآن” بحالة السكر، بل يرى أن للغضب سكراً أعظم من سكر الشراب. فالمخمور قد يغيب عقله، لكن الغضبان يفعل ما لا يفعله شارب الخمر من الفواحش والجرائم بدافع الاندفاع الأعمى.
وفي “إغاثة اللهفان”، يصف الغضب بأنه “غول العقل”، فهو يغتاله كما يغتال الذئب الشاة. إن الشيطان يترصد العبد في موطنين عظيمين: عند شهوته وعند غضبه، فهما أعظم فرصتين لافتراس عقل الإنسان وقلبه ودينه.
الغضب مرض قلبي يشبه أمراض البدن
لم يكتفِ ابن القيم بوصف الغضب كخلق سيئ، بل اعتبره مرضاً عضوياً ونفسياً. فهو في أمراض القلوب نظير الحُمى والوسواس والصرع في أمراض الأبدان. الغضبان يتألم بحمل الغضب، ويحتاج إلى تفريغ تلك الحرارة، فتجده يصيح صياحاً قوياً، أو يلطم وجهه، أو يشق ثوبه، أو يدعو على نفسه وأحب الناس إليه، كل ذلك ليدفع عن نفسه ألم الغضب وحرارته التي تشتعل في جوفه.
أقسام الغضب وتفاوت الناس فيه
قسم ابن القيم الغضب من حيث تأثيره على الإرادة والعقل إلى ثلاثة أقسام:
1. المبدأ: وهو الغضب الذي لا يغير العقل ولا الذهن، فيعلم الإنسان ما يقول ويقصده. وهذا تترتب عليه كافة الأحكام الشرعية من وقوع طلاق وعقود وغيرها.
2. النهاية: وهو الغضب الشديد الذي ينغلق معه باب العلم والإرادة، فلا يعلم صاحبه ما يقول ولا ما يريد. وهذا كالمجنون لا يقع طلاقه ولا يُؤاخذ بأقواله.
3. المرتبة المتوسطة: وهي التي يتعدى فيها الإنسان مبادئ الغضب ولم يصل إلى نهايته، فيصير كالمجنون. وهذا هو محل الخلاف بين العلماء في وقوع طلاقه وتصرفاته.
ويؤكد ابن القيم أن الناس يتفاوتون تفاوتًا عظيمًا في ملك قواهم عند الغضب، فمنهم من يملك نفسه ويتصرف في غضبه، ومنهم من يملكه الغضب ويتصرف فيه، ويصبح العبد حينها ريشة في مهب ريح الشيطان.
الغضب كأبلغ سلاح للشيطان
في كتابه “بدائع الفوائد”، يكشف لنا ابن القيم عن استراتيجية إبليس في استخدام الغضب. فالشيطان يوصي أعوانه بالمرابطة على ثغور الإنسان، وخاصة عند الشهوة والغضب. يقول ابن القيم: “واعلموا أنه ليس لكم في بني آدم سلاح أبلغ من هذين السلاحين، وإنما أخرجتُ أبويهم من الجنة بالشهوة، وإنما ألقيتُ العداوة بين أولادهم بالغضب”.
فالغضب هو الأداة التي يمزق بها الشيطان الأواصر، ويهدم بها البيوت، ويسفك بها الدماء، وهو أسرع وسيلة لإخراج الإنسان من دائرة التكليف إلى دائرة الهلاك.
سبل علاج الغضب في الهدي النبوي
بين ابن القيم في “الداء والدواء” وغيره من الكتب أن علاج الغضب يكمن في اتباع الوصايا النبوية بدقة:
1. الاستعاذة بالله من الشيطان الرجيم
في الصحيح أن رجلين استبا عند النبي صلى الله عليه وسلم حتى احمرَّ وجه أحدهما، وانتفخت أوداجه، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ((إني لأعلم كلمة لو قالها لذهب عنه ما يجد: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم)). فالغضب نزعة شيطانية، واللجوء إلى الخالق هو الحصن الحصين.
2. الوضوء
قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((إن الغضب من الشيطان وإن الشيطان من النار، وإنما تُطفأ النار بالماء، فإذا غضب أحدكم فليتوضأ)). هذا العلاج المادي يطفئ حرارة الغضب المشتعلة في الجسد والروح.
3. الصلاة والسكينة
تعتبر الصلاة من أعظم ما يتحرز به العبد عند ثوران قوة الغضب، فهي صلة بالخالق، وتفريغ للطاقة السلبية في السجود والركوع، وإعادة للهدوء إلى النفس المضطربة.
4. كظم الغيظ ومعرفة قدر النفس
العاقل لا يستدعي الغضب ولا يريده، بل هو أكره شيء إليه، لأنه يعلم أنه جمرة في قلبه. وكما قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((جمرة في قلب ابن آدم، أما رأيتم من احمرار عينيه وانتفاخ أوداجه؟)). فالعاقل لا يقصد إلقاء الجمرة في قلبه بيده.
خاتمة وتوجيه
إن الغضب في أوله اختياري، وفي نهايته اضطراري. فالموفق هو من يملك لجام نفسه في بدايات الغضب قبل أن يستحكم الداء ويقهر العقل. إن تربية النفس على الرضا بأقدار الله، والتواضع للخلق، وإدراك مكائد الشيطان، هي السبيل الوحيد للوصول إلى مرتبة النفس المطمئنة التي لا تستفزها التوافه، ولا تخرجها الخصومات عن طور الحلم والوقار.
نسأل الله الكريم أن يطهر قلوبنا من الغضب والحقد، وأن يرزقنا الحلم والسكينة، وأن ينفعنا بما ترك لنا العلامة ابن القيم من كنوز العلم والحكمة.
كتبه/ فهد بن عبدالعزيز بن عبدالله الشويرخ (بتصرف وإعادة صياغة)

اترك تعليقاً