صراع المفاتيح: ملف سجون داعش يعود للواجهة
عادت مدينة الشدادي لتتصدر المشهد الميداني والسياسي في سوريا، مع اندلاع اشتباكات عنيفة بين الحكومة السورية وقوات سوريا الديمقراطية (قسد). هذا التصعيد أعاد فتح ملف شائك طالما اعتُبر "قنبلة موقوتة": ملف سجون داعش في سوريا والمخيمات التي تضم عائلات التنظيم، وهو ملف يحمل أبعاداً أمنية دولية بالغة الخطورة.
هروب غامض واتهامات متبادلة
شهد سجن الشدادي حادثة هروب جماعي أثارت لغطاً كبيراً؛ حيث تحدثت رواية "قسد" عن فرار ما يصل إلى 1500 عنصر، محملة المسؤولية للحكومة السورية. في المقابل، أكدت دمشق أن العدد لا يتجاوز 120 عنصراً، تم اعتقال معظمهم في عملية أمنية واسعة جرت في 19 يناير 2026. هذا التضارب في الأرقام يعكس محاولة كل طرف استخدام الملف لتعزيز موقفه السياسي والميداني.
خريطة الاحتجاز: السجون والمخيمات تحت المجهر
تُدير "قسد" شبكة معقدة من مراكز الاحتجاز التي تضم آلاف العناصر من تنظيم الدولة، وتتوزع كالتالي:
- المخيمات الرئيسية:
- مخيم الهول: يقع جنوب شرق الحسكة، ويُعد التجمع الأكبر عالمياً لعائلات التنظيم، حيث ضم في عام 2023 أكثر من 51 ألف شخص، مع وجود "فيز المهاجرات" الذي يضم أخطر العناصر النسائية الأجنبية.
- مخيم روج: يقع بريف المالكية، وهو أصغر حجماً لكنه يخضع لرقابة مشددة.
- السجون والمعتقلات:
- يوجد نحو 24 سجناً تضم قرابة 9 آلاف مقاتل، من أبرزها سجون (غويران، الشدادي، وعلايا).
- تولت وحدات المهام الخاصة (HAT) ومكافحة الإرهاب (YAT) إدارة هذه السجون، مع إشراف أمريكي مباشر على سجون سرية تضم قيادات الصف الأول.
استثمار "الوحش": كيف استخدمت قسد ملف الإرهاب؟
لسنوات طويلة، مثّل ملف السجون الورقة الرابحة لـ "قسد" لضمان الدعم الأمريكي والشرعية الدولية. اعتمدت الاستراتيجية على إبقاء التنظيم كـ "خطر قائم" لضمان استمرار الحاجة لدورها كحارس لهذه السجون. ورغم التقارير الدولية التي حذرت من إهمال متعمد داخل المخيمات، إلا أن القوى الدولية غضت الطرف لحاجتها لـ "قسد" كشريك محلي.
التحول السياسي وسقوط أوراق القوة
بعد التغييرات السياسية الكبرى في دمشق نهاية عام 2024، حاولت "قسد" المناورة بأوراق القوة التي تملكها:
- السيطرة على حقول النفط والغاز.
- التحكم في السدود المائية.
- إدارة ملف سجون وعائلات داعش.
لكن الرياح جرت بما لا تشتهي السفن؛ فالإدارة الأمريكية والمجتمع الدولي وجدوا في الحكومة السورية الجديدة شريكاً محتملاً أكثر استقراراً، خاصة بعد انضمام سوريا رسمياً للتحالف الدولي لمكافحة الإرهاب.
الخاتمة: نهاية الدور الوظيفي
إن تلويح "قسد" بفتح السجون أو فقدان السيطرة عليها كـ "ورقة أخيرة" قد يؤدي إلى نتائج عكسية. فبدلاً من إقناع التحالف بضرورة بقائها، قد يدفع ذلك القوى الدولية لتسريع عملية نقل إدارة هذا الملف السيادي إلى الحكومة الشرعية. لقد انتهى الزمن الذي كان فيه "الاستثمار في الإرهاب" وسيلة ناجحة للمقايضة السياسية، وباتت دمشق اليوم أقرب من أي وقت مضى لاستعادة مفاتيح السجون وإنهاء هذا الملف العالق.
المصدر: الجزيرة


اترك تعليقاً