مقدمة: رصد اللحظات الأخيرة لنجم يحتضر
في قلب كوكبة الدجاجة (Cygnus)، وعلى بعد قرابة 1000 سنة ضوئية من الأرض، يقبع جرم سماوي استثنائي يُعرف باسم “سديم البيضة” (Egg Nebula). كشفت أحدث معالجات البيانات الصادرة عن تلسكوب هابل الفضائي التابع لوكالة ناسا ووكالة الفضاء الأوروبية عن تفاصيل غير مسبوقة لهذا السديم، الذي يمثل مرحلة تطورية وجيزة ونادرة في حياة النجوم الشبيهة بشمسنا. يظهر السديم في الصور كمزيج درامي من الضوء الساطع والظلال العميقة، ناتج عن سحب الغبار التي قذفها نجم مركزي يحتضر، محجوب تماماً خلف طبقة كثيفة من المواد، مما يمنحه مظهراً يشبه “صفاراً” متوهجاً داخل “بياض بيضة” داكن.
الاكتشاف والمنهجية: دقة هابل في سبر أغوار الغبار
يعتمد الفهم الحالي لسديم البيضة على عقود من الأرصاد المتراكمة باستخدام تقنيات التصوير المتطورة لتلسكوب هابل. تم دمج بيانات من كاميرا المجال الواسع 3 (WFC3) التي رصدت التدفقات الغازية القوية، مع بيانات سابقة من الكاميرا المتقدمة للاستطلاع (ACS) وكاميرا NICMOS للأشعة تحت الحمراء القريبة. بفضل هذه الدقة العالية، استطاع العلماء تحديد هيكل السديم المعقد؛ حيث تنبثق حزمتان ضوئيتان عملاقتان من النجم المركزي عبر فتحات قطبية في القرص الغباري المحيط به. هذه الحزم تضيء فصوصاً قطبية سريعة الحركة تخترق حلقات قديمة وأبطأ من المواد الموزعة في أقواس متحدة المركز، مما يشير إلى وجود تفاعلات ديناميكية معقدة، ربما بتأثير جاذبية نجم رفيق أو أكثر لا يزالون متخفين داخل القرص الكثيف.
الأهمية العلمية: مختبر لتطور النجوم وتدوير المادة الكونية
يحتل سديم البيضة مكانة خاصة في علم الفلك كونه أول وأصغر سديم في مرحلة “ما قبل الكوكبي” (Pre-planetary nebula) يتم التعرف عليه. وتجدر الإشارة إلى أن مصطلح “الكوكبي” هنا هو تسمية تاريخية خاطئة، إذ لا علاقة لهذه السدم بالكواكب، بل هي نتاج الطبقات الخارجية المقذوفة لنجم شبيه بالشمس استنفد وقوده من الهيدروجين والهيليوم. تكمن الأهمية العلمية لهذا الجرم في كونه يمر بمرحلة انتقالية قصيرة جداً لا تتجاوز بضعة آلاف من السنين، وهي رمشة عين بمقاييس الزمن الكوني.
يسمح لنا رصد السديم في هذه المرحلة بفهم كيفية تشكل السدم الكوكبية المتوهجة لاحقاً، مثل سديم “اللولب” أو “الفراشة”. علاوة على ذلك، تكشف التماثلات البنيوية في السديم أن عمليات القذف المادي ليست انفجارات فوضوية (كالمستعرات الأعظم)، بل هي نبضات منظمة ومستمرة تنبثق من اللب الغني بالكربون. هذا الكربون والغبار المقذوف هما المادة الخام التي تُبنى منها أنظمة نجمية وكواكب صخرية جديدة، تماماً كما حدث لنظامنا الشمسي قبل 4.5 مليار سنة.
الآفاق المستقبلية: ما بعد سديم البيضة
إن استمرار مراقبة سديم البيضة يوفر للعلماء فرصة نادرة لمشاهدة التغيرات الفيزيائية والكيميائية في الوقت الحقيقي تقريباً. ومع انتقال النجم المركزي تدريجياً من نجم عملاق أحمر بارد إلى قزم أبيض ساخن، ستبدأ إشعاعاته فوق البنفسجية في تأيين الغاز المحيط، مما سيحول سديم البيضة من سديم عاكس (يلمع بضوء النجم المنعكس) إلى سديم انبعاثي متوهج ذاتياً. تساهم هذه الأرصاد في تحسين نماذجنا الحاسوبية حول كيفية توزيع العناصر الثقيلة في المجرة، وتؤكد على الدور المحوري الذي تلعبه المهمات الفضائية الطويلة الأمد مثل هابل في إعادة صياغة فهمنا لأصل المادة ومصير النجوم في الكون.
المصدر العلمي: ScienceDaily


اترك تعليقاً