مقدمة: سورة المؤمنون ومنهج الفلاح الرباني
في رحاب كتاب الله عز وجل، نجد سورةً عظيمةً خصَّها الله سبحانه باسمٍ يحمل أسمى مراتب العبودية، وهي (سورة المؤمنون). هذه السورة ليست مجرد آيات تُتلى، بل هي دستورٌ متكامل يرسم معالم الطريق لمن أراد النجاة، ومنهجٌ قويم يوضح أوصاف الفئة الناجية التي استحقت ولاية الله ورضوانه. إن المتأمل في ثنايا هذه السورة يجدها قد شملت الحديث عن ربوبية رب العالمين، وعرضت قصص الأنبياء والمرسلين وما لاقوه من أعداء الله، كما فصلت في مآلات العباد بين نعيم الجنة وعذاب النار.
بيد أن الوقوف عند مطلع هذه السورة، وتحديداً عند الآيات العشر الأولى منها، يمنح المؤمن معياراً دقيقاً يزن به نفسه. فمن انطبقت عليه هذه الصفات التي سطرها الوحي، فقد نال شهادةً ربانيةً بالفلاح؛ إذ يقول الحق تبارك وتعالى: {قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ}. ومن اللطائف القرآنية أنه لا توجد سورة باسم (سورة المسلمون)، بل هي (سورة المؤمنون)؛ لأن الإيمان مرتبة أخص وأعلى من الإسلام. فالمؤمن هو من وقر في قلبه التصديق الجازم بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر خيره وشره، ثم صدَّق عملُه قولَه.
يقول الله عز وجل في محكم التنزيل: {قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ * إِلَّا عَلَى أَزْواجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ * فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ * أُولَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ * الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} [المؤمنون: 1– 11].
أولاً: الخشوع في الصلاة.. روح العبادة وسر القبول
استفتحت الآيات صفات المؤمنين المفلحين بأعظم أركان الإسلام العملية وهي الصلاة، لكنها لم تكتفِ بمجرد الأداء، بل ركزت على جوهرها وهو الخشوع: {الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ}. والخشوع هو حضور القلب بين يدي الرب جل جلاله، أن يستشعر العبد قرب الله منه فيسكن قلبه، وتطمئن نفسه، وتخضع جوارحه.
المؤمن الخاشع هو الذي يدخل صلاته متأدباً، مُعرضاً عن الالتفات، مستحضراً لكل كلمة ينطق بها وكل ركعة يسجدها. بهذا الخشوع تُطرد الوساوس الشيطانية وتنتفي الأفكار الرديئة، فالخشوع هو روح الصلاة، وهو المقدار الذي يُكتب للعبد من أجره. فبينما قد تكون الصلاة الخالية من الخشوع مجزئة من الناحية الفقهية، إلا أن الثواب الحقيقي مرتبط بما عقل القلب واستحضر من عظمة الخالق.
ثانياً: الإعراض عن اللغو.. عفة اللسان وطهارة الوقت
تأتي الصفة الثانية لترسم ملامح الشخصية المؤمنة في تعاملها مع الكلام والوقت: {وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ}. واللغو هو كل كلام لا فائدة فيه ولا خير يرتجى منه، سواء كان باطلاً أو لهواً لا طائل تحته. المؤمن يترفع بنفسه عن مجالس اللغو، فإذا مرَّ بها مرَّ كريماً، رغبةً في تنزيه نفسه وصيانةً لوقته.
وإذا كان المؤمن يُعرض عن الكلام الذي لا فائدة منه، فمن باب أولى أن يكون أشد إعراضاً عن المحرمات كالغيبة والنميمة والكذب. إن ملك اللسان هو ملك للأمر كله؛ كما أوصى النبي صلى الله عليه وسلم معاذ بن جبل رضي الله عنه حين أخذ بلسانه وقال: «كُفَّ عَلَيْكَ هَذَا». فالمؤمنون هم أصحاب الألسنة الطاهرة، الذين لا يخوضون في الباطل ولا يضيعون أعمارهم في القيل والقال.
ثالثاً: إيتاء الزكاة.. طهارة المال وتزكية النفس
الصفة الثالثة هي {وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ}. وهنا تبرز صورة المؤمن المتكافل الذي يؤدي حق الله في ماله طيبةً به نفسه. الزكاة هنا تشمل أداء الفريضة المالية في مختلف أنواع الأموال، وهي أيضاً تزكية للنفس من أدناس البخل والشح وسيء الأخلاق.
المؤمن المفلح لا يبخل على المحتاجين، بل يسارع لمواساة إخوانه الفقراء والمساكين، ويمد يد العون للمهجرين واللاجئين من الفلسطينيين والسوريين وسائر المسلمين المنكوبين. إنهم يحسنون في عبادة الله بالخشوع، ويحسنون إلى خلقه بالبذل والعطاء، ومع ذلك تظل قلوبهم وجلة خائفة ألا يُقبل منهم، كما وصفهم الله: {وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ * أُولَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ}.
رابعاً: حفظ الفروج.. العفاف في زمن الفتن
في زمن تلاطمت فيه أمواج الفتن، تأتي الصفة الرابعة لتؤكد على قيمة العفة: {وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ}. المؤمنون يحفظون أنفسهم عن الزنا وعن كل ما يؤدي إليه من مقدمات كالنظرة المحرمة أو اللمس أو الخلوة. لقد حدد الشرع الإطار الحلال لهذه الغريزة في الزواج وما ملكت الأيمان (في سياقها الشرعي التاريخي)، وما عدا ذلك فهو اعتداء وتجاوز.
ويشمل هذا الحفظ في عصرنا الحالي الحذر من وسائل التواصل الاجتماعي والمنصات التي قد تُستخدم لإرسال الصور الفاضحة أو إقامة العلاقات المحرمة. فمن ابتغى قضاء وطره خارج إطار الزوجية الشرعية فهو من (العادون) الذين تعدوا حدود الله. ويدخل في هذا التعدي أيضاً الأنكحة الباطلة كنكاح المتعة أو نكاح المحلل، فكلها صور من صور عدم حفظ الفرج التي تغضب الله عز وجل.
خامساً: رعاية الأمانات والعهود.. ميزان الاستقامة
الصفة الخامسة هي {وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ}. الأمانة في المنظور الإسلامي مفهوم شامل، فهي تشمل حق الله في العبادات، وحقوق العباد في الأموال والأسرار. المؤمن هو من يراعي أمانة الكلمة، وأمانة العمل، وأمانة الأسرار الخاصة بين الأصدقاء، وأسرار الأسرة، وصولاً إلى أسرار الدولة والأمة.
إن خيانة الأمانة أو نقض العهد صفة تتنافى مع كمال الإيمان، فالمؤمن حريص على الوفاء بعهوده مهما كانت الظروف، مدركاً لثقل الأمانة التي أشفقت منها السماوات والأرض والجبال وحملها الإنسان. فمن حافظ على أمانته فقد استقام أمره، ومن خانها فقد ثلم إيمانه، والله يأمرنا بقوله: {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا}.
سادساً: المحافظة على الصلوات.. الختام المسك
ختمت الآيات هذه الصفات بالعودة إلى الصلاة مرة أخرى، ولكن من زاوية المحافظة: {وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ}. والمحافظة تعني المداومة عليها في أوقاتها المحددة، بشروطها وأركانها وسننها.
لقد بدأ الله صفات الفلاح بالخشوع في الصلاة وأنهى بالمحافظة عليها؛ ليدلنا على أنه لا يتم فلاح العبد إلا باجتماع الأمرين: حضور القلب (الخشوع) والاستمرار على الطاعة (المحافظة). فمن حافظ بلا خشوع نقص أجره، ومن خشع حيناً وضيع الصلاة حيناً فقد خاب وخسر. وكما جاء في الحديث: «إِنَّ أَوَّلَ مَا يُحَاسَبُ بِهِ العَبْدُ يَوْمَ القِيَامَةِ مِنْ عَمَلِهِ صَلَاتُهُ، فَإِنْ صَلُحَتْ فَقَدْ أَفْلَحَ وَأَنْجَحَ، وَإِنْ فَسَدَتْ فَقَدْ خَابَ وَخَسِرَ».
الجزاء الأوفى: وراثة الفردوس والخلود الأبدي
بعد هذا العرض لتلك الصفات الست العظيمة، يأتي الوعد الرباني الذي تتوق إليه النفوس: {أُولَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ * الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ}. والوراثة هنا لها معنى دقيق؛ فقد ورد أن لكل إنسان مقعدين، مقعداً في الجنة ومقعداً في النار، فإذا دخل المؤمن الجنة ورث مقعد الكافر الذي كان معداً له لو آمن.
والفردوس هو أعلى الجنة وأوسطها وأفضلها، خصه الله لهؤلاء الذين تسنموا ذروة الصفات الإيمانية. وهم في هذا النعيم خالدون، لا يرحلون عنه ولا يملون منه، ولا يخشون عدواً يخرجهم أو احتلالاً يطردهم. إنه النعيم المقيم الذي لا كدر فيه ولا منغص، جزاءً بما صبروا على طاعة الله وعن معصيته، كما قال سبحانه: {إِنِّي جَزَيْتُهُمُ الْيَوْمَ بِمَا صَبَرُوا أَنَّهُمْ هُمُ الْفَائِزُونَ}.
فليزن كل واحد منا نفسه بهذه الآيات البينات، وليبحث في قلبه وعمله عن هذه الصفات، ليعرف نصيبه من الإيمان زيادةً ونقصاً، وليجتهد في تكميل ما نقص ليكون من ورثة جنة النعيم.

اترك تعليقاً