# صلاة التراويح: مدرسة الإيمان ونور القيام في شهر القرآن
الحمد لله الذي جعل الصلاة قرة لعيون المحبين، وجعل قيام الليل أنساً للمتهجدين، والصلاة والسلام على من سنّ لنا قيام رمضان، ورغبنا في نيل غفران الديان، سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
مع إشراقة هلال شهر رمضان المبارك، تتوق النفوس المؤمنة إلى تلك اللحظات الروحانية التي تملأ بيوت الله نوراً وسكينة، حيث تصطف الأقدام، وتخشع القلوب، وتلهج الألسنة بآيات الذكر الحكيم في صلاة التراويح. إنها العبادة التي تميز ليالي هذا الشهر الكريم، وهي المحطة الإيمانية التي يتزود منها المسلم بالصبر والتقوى. في هذا المقال، نبحر سوياً في رحلة فقهية وإيمانية لنتعرف على حكم وفضل صلاة التراويح، وكيف رسم لنا السلف الصالح معالم هذه العبادة العظيمة.
أولاً: فضل صلاة التراويح.. غفران للذنوب ورفعة للدرجات
إن صلاة التراويح ليست مجرد ركعات نؤديها، بل هي فرصة ذهبية لمحو الخطايا وتجديد العهد مع الله. لقد بشرنا النبي صلى الله عليه وسلم بجائزة كبرى لمن قام ليالي هذا الشهر إخلاصاً لله وطمعاً في ثوابه.
عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «من قام رمضان إيمانًا واحتسابًا، غُفر له ما تقدم من ذنبه» (متفق عليه). تأمل يا أخي المؤمن في قوله “إيماناً واحتساباً”؛ أي تصديقاً بوعد الله، وطلباً للأجر لا رياءً ولا سمعة، فمن حقق هذا الشرط نال مغفرة الله الشاملة لما سلف من ذنوبه.
ومن عظيم فضلها أيضاً أن من حافظ عليها مع الإمام حتى ينصرف، كتب الله له ثواب قيام ليلة كاملة، حتى وإن نام بقية ليله، وهذا من واسع فضل الله على الأمة المحمدية.
ثانياً: حكم صلاة التراويح في المذاهب الأربعة
أجمع الفقهاء على مشروعية صلاة التراويح، واتفقوا على أنها سنة، ولكنهم فصلوا في درجات هذه السنية وتأكيدها بناءً على الأدلة الواردة عن النبي صلى الله عليه وسلم وفعل الصحابة الكرام:
1. المذهب الحنفي: سنة مؤكدة
ذهب الحنفية في المعتمد لديهم إلى أن صلاة التراويح سنة مؤكدة. واستدلوا على ذلك بمحافظة الخلفاء الراشدين عليها، وهم الذين أمرنا النبي صلى الله عليه وسلم باتباع سنتهم. ويرى الحنفية أن هذا الحكم يشمل الرجال والنساء على حد سواء، فهي شعيرة لا ينبغي للمؤمن التفريط فيها.
2. المذهب المالكي: مندوبة ندباً مؤكداً
يرى المالكية أن صلاة التراويح مندوبة ندباً مؤكداً. وهذا الحكم عام للرجال والنساء. واستدلوا بحديث النبي صلى الله عليه وسلم الذي يرويه أبو هريرة: «من قام رمضان إيمانًا واحتسابًا غُفر له ما تقدم من ذنبه، ومن قام ليلة القدر إيمانًا واحتسابًا غُفر له ما تقدم من ذنبه». فالحث النبوي هنا جعلها في مصاف المندوبات التي لا يتركها إلا محروم.
3. المذهب الشافعي: سنة بالإجماع
ذهب الشافعية إلى أن صلاة التراويح سنة، واستندوا في ذلك إلى الإجماع الذي انعقد بين الصحابة والتابعين ومن تبعهم من علماء الأمة على مشروعيتها والمداومة عليها في كل عام.
4. المذهب الحنبلي: من شعائر الإسلام الظاهرة
ذهب الحنابلة إلى أن صلاة التراويح من السنن المؤكدة التي سنها النبي عليه الصلاة والسلام. بل واعتبروها من شعائر الإسلام الظاهرة التي تميز المجتمع المسلم في رمضان. واستدلوا بالحديث الذي روته أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها؛ إذ قالت: ((إن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى ذات ليلة في المسجد، فصلى بصلاته ناس، ثم صلى من القابلة، فكثر الناس، ثم اجتمعوا من الليلة الثالثة أو الرابعة، فلم يخرج إليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما أصبح قال: قد رأيت الذي صنعتم ولم يمنعني من الخروج إليكم، إلا أني خشيت أن تُفرض عليكم، وذلك في رمضان)).
ثالثاً: كيفية صلاة التراويح في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم
بدأت صلاة التراويح في عهد النبي صلى الله عليه وسلم كصلاة جماعة في المسجد لعدة ليالٍ، كما ورد في حديث عائشة السابق. ولكن النبي صلى الله عليه وسلم، بشفقته ورحمته بأمته، توقف عن الخروج إليهم خشية أن ينزل الوحي بفرضيتها، فيعجز الناس عن أدائها وتأثيم من تركها.
وبقي الناس بعد ذلك في عهد النبي صلى الله عليه وسلم، وفي خلافة أبي بكر الصديق رضي الله عنه، يصلون التراويح “أوزاعاً”؛ أي متفرقين، فمنهم من يصلي منفرداً، ومنهم من يصلي خلف قارئ، واستمر الأمر على ذلك حتى جاء عهد الفاروق عمر.
رابعاً: اجتماع المصلين بفتوى عمر بن الخطاب رضي الله عنه
يعد جمع الناس على إمام واحد في صلاة التراويح من مآثر الخليفة الراشد عمر بن الخطاب رضي الله عنه، الذي أحيا هذه السنة النبوية بنظرة ثاقبة تهدف لجمع كلمة المسلمين.
عن عبدالرحمن بن عبدٍ القارئ رحمه الله تعالى أنه قال: ((خرجت مع عمر بن الخطاب رضي الله عنه ليلةً في رمضان إلى المسجد، فإذا الناس أوزاع متفرقون يصلي الرجل لنفسه، ويصلي الرجل فيصلي بصلاته الرهط، فقال عمر: إني أرى لو جمعت هؤلاء على قارئ واحد، لكان أمثل، ثم عزم فجمعهم على أبي بن كعب، ثم خرجت معه ليلةً أخرى والناس يصلون بصلاة قارئهم، قال عمر: نِعْمَ البدعة هذه، والتي ينامون عنها أفضل من التي يقومون، يريد آخر الليل، وكان الناس يقومون أوله)) (رواه البخاري).
وفي رواية لمالك: ((أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أمر أبي بن كعب وتميمًا الداري أن يقوما بالناس بإحدى عشرة ركعةً، قال: وقد كان القارئ يقرأ بالمئين، حتى كنا نعتمد على العصي من طول القيام، وما كنا ننصرف إلا في فروع الفجر)).
وفي رواية لابن خزيمة أوضح فيها عمر رضي الله عنه مقصده بقوله: ((والله إني أظن لو جمعنا هؤلاء على قارئ واحد لكان أمثل، ثم عزم عمر على ذلك، وأمر أبي بن كعب أن يقوم لهم في رمضان، فخرج عمر عليهم والناس يصلون بصلاة قارئهم، فقال عمر: نعم البدعة هي)). والمقصود بالبدعة هنا البدعة اللغوية؛ أي الشيء الجديد في تنظيمه، لا البدعة الشرعية المذمومة، لأن أصل الصلاة جماعة فعله النبي صلى الله عليه وسلم.
خامساً: أفضيلة صلاة التراويح.. في الجماعة أم المنفرد؟
اختلف الفقهاء في المكان الأفضل لأداء صلاة التراويح، هل هو المسجد مع الجماعة أم البيت منفرداً؟ ولكل فريق وجهة نظر مبنية على مقاصد الشريعة:
- المالكية: ذهبوا إلى أن صلاة التراويح في البيت منفرداً أفضل؛ استناداً لقول النبي عليه الصلاة والسلام: «فإن أفضل الصلاة صلاة المرء في بيته، إلا المكتوبة». ورأوا أن الصلاة في البيت أبعد عن الرياء وأقرب للإخلاص، بشرط ألا يؤدي ذلك لتعطيل المساجد.
- الحنفية: رأوا أن السنن النوافل في البيت أفضل، لكنهم استثنوا صلاة التراويح، فاعتبروا صلاتها في الجماعة بالمسجد أفضل؛ لأنها شرعت في الأصل جماعة.
- الشافعية: ذهبوا في الأصح عندهم إلى أن الجماعة أفضل؛ اقتداءً بفعل الصحابة وإجماعهم العملي منذ عهد عمر.
- الحنابلة: أكدوا أن الجماعة أفضل، واستدلوا بفعل الصحابة، حيث روى البيهقي أن عليًّا رضي الله عنه كان يجعل للرجال إمامًا وللنساء إمامًا لأدائها، مما يدل على اهتمامهم بالاجتماع عليها.
الخلاصة والترجيح:
يصعب الترجيح القاطع بين هذه الأقوال، فلكل منها وجاهته. ويمكن الجمع بينها بالتنوع؛ فمن وجد في نفسه نشاطاً وإخلاصاً في بيته فله ذلك، ومن خشي التكاسل أو أراد نيل فضل الجماعة وإظهار الشعيرة فالمسجد أولى به. وتسن صلاة التراويح بعد صلاة العشاء، وعددها المسنون إحدى عشرة ركعة أو ثلاث عشرة ركعة مع الوتر، ومن زاد فلا حرج.
ختاماً، يا باغي الخير أقبل، فهذه ليالي الرحمة قد أظلتنا، وصلاة التراويح هي زادك في هذا السفر المبارك. اجعل من ركعاتك مناجاة لخالقك، ومن سجودك تذللاً لعظمته، لعل الله أن يكتبنا وإياكم في هذا الشهر من عتقائه من النار. والله أعلم.

اترك تعليقاً